شمسها تبعث شعاعاً يوقظ الصغار الذين يتثاءبون، وتحث العمال للإسراع بخطواتهم كي لا يتأخروا عن أعمالهم، وساعات المعاصم، والجدارية، والتي في الهاتف النقال، كلها منضبطة حسب التوقيت المحلي.
جرت العادة أن يتبادل سكان المدينة تحية الصباح التي نخرها الزمن آكلاً من دفء حروفها، يرددونها فيما بينهم بتلقائية باردة، مخادعة، بدت عيون التلاميذ الذاهبين إلى مدارسهم قلقة، مستغربة، وقد انطفأ صراخهم المعهود، ليتنبه أهل المدينة والشمس تشرق فوقهم بنوع المصاب الذي ألم بهم، فأفقدهم جميعهم النطق.ونشر الرعب، فراحوا يهرولون في الشوارع مبهوتين، مستغربين، لأن الكارثة قضت على حناجرهم، وشلت ألسنتهم، وحلّ إيماء الجنون مكان الكلام، وداء الخيبة العظمى تلبسهم، وهم يجدون الحكماء والأطباء قد أصيبوا مثلهم، فغرقوا بالهول المريع، وتهدم جسر تواصلهم، وضربتهم لعنة الضياع.
توقفت اتصالاتهم بالعالم، فلا من متلق هنا ولا متحدث، وحوصروا بوباء الخرس الذي أخرج قطار حياتهم عن مساره محطماً عرباته، فأصبحوا كالعميان يتصادمون بسيرهم.
تشرق الشمس وثمة فتى على مقعد داخل حديقة بجوار حبيبته الجميلة كالشعر، يقبلها، تقبله، وينظران للأعلى بنشوه، حيث عصافير الأشجار على غصونها تزقزق بمرح، يبتسمان، يقبلها، تقبله، والناس لن يتمكنوا من الكلام، وهما لا يكترثان بمن أحاطوا بهما مشبرين، مستنكرين، مسلطين عليهما شراً.
ابتعدت الفتاة، تركت يد حبيبها بعد أن أدمتهما سياط النظرات شاوية جسديهما بحجارة من جمر الضلال، فحزنت العصافير حين فقد الحبيبان هيبة النطق، وموسيقى الروح، والوجوه البكماء تبخ في عروقهما قيحاً تفوح منه رائحة الإنتان القاتل والعفن المبيد، الذي يتغلغل بين المسام فيتلفها.
حينذاك أكملت الشمس شروقها، وما من عصافير تتقافز، فحلّ اليباب ليحول المدينة إلى صحراء دم، وهباب أسود حملته ريح الاحتراق المدمر، فخرجت الساعات المعصمية والجدارية، أو التي بالهاتف النقال، عن انضباطها، وغاب تثاؤب الأطفال المستيقظين على موت والغافين عليه، ولن تشاهد خطوات سريعة لعمال توقفت أعمالهم. سيطرت الأنصال الحادة المسننة ناشرة فتكاً طاعونياً متخماً بالضغينة والكره الجائر، فأسقطت حياة البشر الاعتيادية وعمت الفوضى.
قتلوا بداخل الحبيبة عصافيرها، فغدت وجهاً أبكم بناب سم التباعد الذي غرزته في قلب حبيبها، فانتفض جسده مغدوراً.
هربت الشمس خجلى مما أشرقت عليه، ودفعت الظلام كي لا تكون شاهداً على ما يجري، فأخذ مكانها.. وأهل المدينة يتراشقون القتل دون كلام.
القاص في سطور
قاص سوري يكتب القصة القصيرة والرواية صدرت له عدة مجموعات قصصية منوعة منها (مياه آسنة من أجل الإسفنج- رذاذ المطر- آكافي) وصدرت له مؤخراَ رواية بعنوان (بيضاء، بيضاء).

