في الستينات كانت البيوت المصنوعة من سعف النخيل وكذلك البيوت الطينية التي تمثل بيوت الطبقة العليا في المجتمع تتناثر وتمتد على ساحل مدينة دبي، لم تكن طرق الاسفلت قد عبدت بعد، ولم تكن الامارة تعرف هذه الحيوية الهادرة الذي هي عليه اليوم.
كانت الاحياء السكنية تتناثر متباعدة تفصلها الساحات الترابية البيضاء. ارض بكر حيث البحر يرسل نسائمه إلى تلك الساحات في المساءات الرطبة، وحيث خيوط القمر هي الاكثر جرأة على التسلل إلى تلك البيوت ذات الفراغات والتي تسرب النور، مثلما تسرب صدى الاصوات القادمة من بعيد.هدوء شديد يجعل من دبيب الارجل الغريبة مكشوفا في تلك الليالي المتوجة بالصمت. في تلك الليالي تنسل اصوات الدفوف قادمة من بعيد إلى داخل الخيام، غرف النوم يرافقها صوت القرار الهادر من حناجر المنشدين، في البلدة احدهم يقيم «المالد» والكلمة محرفة عن المولد.انشاد تنتشي له الارواح.
وكلمات هي من بحر الابيات الشعرية للبصيري ومن نهج البردة، لأحمد شوقي، لم يبتعد المالد عن تنويعات الانشاد عند عالم المتصوفة الذي انتشر في العالم الاسلامي، انشاد ارتبط ارتباطا وثيقا بمدح سيرة الرسول المصطفى ورافقته تنويعات مختلفة لم تذهب بعيدا عن دوحة شعر الغزل العفيف، ينسل الانشاد في دبي من بيت إلى بيت.فتعرف الاحياء بكاملها ان احدهم يقيم نذورا او يحيي فرحا، قلة هم من استطاعوا الحصول على شهادة «النظم» التي تعطى لمنشد فرقة المالد الرئيسي، رجل يتمتع بصوت جميل وجهوري وقدرة على الالقاء والنطق السليم والتمكن من اللغة العربية.
قليلون هم أؤلئك «النظيمة» الذين سجل لهم التاريخ حضورا في هذا الضرب من الانشاد الذي احيل بعد ذلك إلى فنون الفلكلور الشعبي في دبي والامارات.
عرفت دبي فرقا لانشاد المالد منذ قديم الزمان، وتكرست اسماء معينة اعتبروا شيوخا في الطريقة، الا ان دبي ايضا فقدت في الاعوام الثلاثة الماضية اهم وأشهر منشدين هما: الشيخ الصوفي عبدالرحمن المريد الذي رحل عن الدنيا في العام 1997 واحمد بن حافظ الذي نهج على نهجه ومن بعدهما مازالت فرق قليلة و«نظيمة» قليلو العدد يحتفظون بأسرار هذا الانشاد الصوفي.
ففي عالم المالد الخفي لا يمكن لأحد ان يتوسط فريقا من الضاربين على الدفوف يقابلون فريقا من المنشدين لكي يكتمل العقد ويجاز كمنشد طريقة واسلوب، انها راية واجازة يسلمها شيخ طريقة لآخر يلتمس فيه الصفات المطلوبة لكي يحظى بلقب «نظيم»، وقائد فرقة مالد.
هناك اجتماع، وحوارات ونقاشات ساخنة، وارتباك شديد يسود اوساط اهل المالد حينما يتأزم الوضع ويصبح من المطلوب اختيار المعلم، او القائد، حيث تعقد اجتماعات ويتم ما يشبه المبايعات، ويعترف او لا يعترف بالايجازة، ثم هناك اسماء لشيوخ طرق لهم صلاحية المنح او الحجب، حينما توفي عبدالرحمن المريد، وكان الاول في الطريقة التي تقترب من القادرية في الانشاد الصوفي وبقي السؤال معلقا، حول خلافته.؟ وقيلت اقوال كثيرة، حول من هو الذي يستحق استلام المكانة، وبعضهم حارب وجاهد من اجل اثبات ان المريد اخلفه على الطريقة.
في فيلم المريد للشاعرين بدور ونجوم كان الذهاب ذكيا إلى هذا السؤال في النهاية، الخلافة في هذا الفن، او الانشاد او الطريقة مازالت عالقة. فيما حقق فيلمهما «المريد» العديد من الجوائز آخرها جائزة أفضل فيلم وثائقي في مسابقة الإمارات 2008، وشهادة تقدير خاصة من مهرجان الخليج السينمائي 2008 وحاز على جائزة أفضل انجاز في مهرجان دبي السينمائي الدولي 2008.
يعد عبدالرحيم بن عبدالله المريد، احد الذين توارثوا هذا الضرب من الإنشاد الديني وإقامة حلقات الذكر.
رحل عبدالرحيم المريد عن عمر تجاوز المئة سنة حسب تقديرات أبنائه وأحفاده وعن 95 عاما حسب عام الميلاد المدون في السجلات الرسمية.
وتعتبر أسرة المريد هي الأسرة التي توارثت هذا الإنشاد الصوفي القريب من الطريقتين القادرية والرفاعية، إلا أن المريد كلما سئل يقول إن أسلوبه أقرب إلى القادرية، تتلمذ على يد أبيه عبدالله المريد وتشرب منه طرائق النظم والأداء الإنشادي فكان «نظيماً» له طابعه وطريقته الخاصة التي اجتذبت إليه عشاق هذا الضرب من الإنشاد.
اخذ من والده علمه وتصوفه وأساليب الإنشاد وكتاب البرزنجي، وكان والده الوحيد من بين «نظيمة» المالد في الإمارات ممن حصلوا على إجازة في الطريقة من الفقيه الشيخ محمد عمر الأفغاني الذي زار دبي في ذلك الزمان القديم.
علم ودرب الراحل عبدالرحيم بن عبدالله المريد العديد من الذين اتبعوا طريقته وأسلوبه في مدائح الرسول صلى الله عليه وسلم وفن المالد أو المولد.
وكان بيته الكائن في منطقة الراشدية في دبي مقرا يستقبل فيه تلاميذه وعلماء الدين ومحبي الأذكار. وقد سعى المريد خلال حياته إلى إيصال طرائقه في إقامة حلقات الإنشاد الديني إلى تدريب وتعليم العديدين على أصول «النظم» ومنح عدة إجازات لبعضهم، وممن رافقوا دربه نظيم المالد الشهير احمد بن حافظ.
وكذلك الشيخ محمد الحداد وربيع البدور وأبناء حميدان «عيال حميدان» وهم أربعة من جيل الشباب أصر على تدريبهم وتعليمهم، ويعتبر نفسه انه سلمهم أصول الإنشاد، كما أجاز عبدالرحيم المريد حمدان المعمري من سلطنة عمان، والذي يواصل اليوم النظم على أسلوب المريد.
الشيخ أحمد بن حافظ هو أحد أعلام دبي البارزين توفي في العام 2008، وكان زميلا ورفيق درب للشيخ عبد الرحيم المريد في نظم المالد، وتلميذاً لوالده الشيخ عبدالله المريد، وعنه أخذ الصوفية وطريقة المالد المعروف في دبي وأبوظبي ومناطق ساحل عمان والباطنة. وكان الشيخ أحمد بن حافظ رحمه الله، منشدا جيدا، جميل الصوت وحافظا لقصائد عديدة من الشعر الصوفي التي ينشدها الصوفيون والنظّامون في احتفالات المولد النبوي الشريف، بجانب حفظه لقصائد أخرى لشعراء عمانيين، «كالستالي «و«ابن عديّم» و«ابن شيخان».
استمر الشيخ بن حافظ مشاركاً في فرقة «المريد»، لكنه انفصل عنها وكون لنفسه في الستينات فرقة مالد باسم «فرقة بن حافظ للمالد»، ولكن الفرقتين المنفصلتين كانتا تشتركان معاً في المناسبات الكبرى، في الاحتفالات وأعراس الشيوخ وكبار القوم. وكان «الشيخ احمد بن حافظ» رحمه الله يكن مودة واحتراما للشيخ عبدالرحيم المريد.
وفي احدى دراساته البحثية اشار الاديب عبدالغفار حسين إلى ان بن حافظ كان عالما لغويا وشاعرا مجيدا، ولكن مخطوطاته أتلفت وأتت عليها نيران الحرائق التي شبت في بيته في فلج القبائل بالباطنة، بعمان، ولعل هناك كتبا من تأليفاته أتلفتها النيران، وضاعت علينا من جرائها ثروة علمية.
كما كانت له مطولة على نهج قصيدة البردة المشهورة للإمام البوصيري. حافظ الراحلين عبدالرحيم المريد واحمد بن حافظ ومن زامنهما في فن المالد او الانشاد الصوفي على ابقاء جلسات الانشاد نظيفه من كثير من البدع التي دخلت على هذا النوع من الانشاد، فبعض الفرق التي غالت في التمظهر ادخلت بعض البدع والخرافات التي كان أصحابها يدعي أنها كرامات توهب لأصحابها.
ولهذا كان الشيخان متشددان في إبعاد مثل تلك السلوكيات.فقد شاع في حلقات الإنشاد إن يقوم بعض المؤدين بوخز كتفه أو خاصرته بقضيب من الحديد، وبعضهم كان يأكل الجمر دون إن تحدث له حروق!! وكلها أمور دخيلة على حلقات الذكر تلك، تسللت إلى هذا الفن من طرائق مختلفة، ومن مشعوذات أريد بها إظهار الكرامات.
في التاريخ نقرأ مثل هذه السطور:
لا يعرف المؤرخون أن أحدًا قبل الفاطميين احتفل بذكرى المولد النبوي فكانوا يحتفلون بالذكرى في مصر احتفالا عظيما ويكثرون من عمل الحلوى وتوزيعها كما قال القلقشندى في كتابه «صبح الأعشى». وكان الفاطميون يحتفلون بعدة موالد لآل البيت، كما احتفلوا بعيد الميلاد المسيحي كما قال المقريزي، ثم توقف الاحتفال بالمولد النبوي سنة 488 هـ وكذلك الموالد كلها، لأن الخليفة المستعلي بالله استوزر الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، وكان رجلا قويا لا يعارض أهل السنة كما قال ابن الأثير في كتابه «الكامل» واستمر الأمر كذلك حتى ولى الوزارة المأمون البطائحي، فأصدر مرسوما بإطلاق الصدقات في 13 من ربيع الأول سنة 517 هـ وتولى توزيعها «سناء الملك».
ولما جاءت الدولة الأيوبية أبطلت كل ما كان من آثار الفاطميين، ولكن الأسر كانت تقيم حفلات خاصة بمناسبة المولد النبوي، ثم صارت، رسمية في مفتتح القرن السابع في مدينة «إربل» على يد أميرها مظفر الدين أبى سعيد كوكبري بن زين الدين على بن تبكتكين، وهو سني اهتم بالمولد فعمل قبابا من أول شهر صفر، وزينها أجمل زينة، في كل منها الأغاني والقرقوز والملاهي، ويعطى الناس إجازة للتفرج على هذه المظاهر. وكانت القباب الخشبية منصوبة من باب القلعة إلى، باب الخانقاه، وكان مظفر الدين ينزل كل يوم بعد صلاة العصر، ويقف على كل قبة ويسمع الغناء ويرى ما فيها.
وكان يعمل المولد سنة في ثامن الشهر، وسنة في ثاني عشرة، وقبل المولد بيومين يخرج الإِبل والبقر والغنم، ويزفها بالطبول لتنحر في الميدان وتطبخ للناس. ويقول ابن الحاج أبو عبد الله العبدري: إن الاحتفال كان منتشرا بمصر في عهده، ويعيب ما فيه من البدع «المدخل ج 2 ص 11، 12».
وأَلفت كتب كثيرة في المولد النبوي في القرن السابع، مثل قصة ابن دحيه المتوفى بمصر سنة 633 ه، ومحيي الدين بن العربي المتوفى بدمشق سنة 638 ه، وابن طغربك المتوفى بمصر سنة 670 ه، وأحمد العزلي مع ابنه محمد المتوفى بسبته سنة 677 ه.
أسماء وفرق
عرفت دبي فرقا لانشاد المالد منذ قديم الزمان، وتكرست اسماء معينة اعتبروا شيوخا في الطريقة، الا ان دبي ايضا فقدت في الاعوام الثلاثة الماضية اهم وأشهر منشدين هما: الشيخ الصوفي عبدالرحمن المريد الذي رحل عن الدنيا في العام 1997 واحمد بن حافظ الذي نهج على نهجه ومن بعدهما لا زالت فرق قليلة و«نظيمة» قليلون يحتفظون بأسرار هذا الانشاد الصوفي.
شهادة النظم
قلة هم من استطاعوا الحصول على شهادة «النظم» التي تعطى لمنشد فرقة المالد الرئيسي، رجل يتمتع بصوت جميل وجهوري وقدرة على الالقاء والنطق السليم والتمكن من اللغة العربية.
قليلون هم أؤلئك «النظيمة» الذين سجل لهم التاريخ حضورا في هذا الضرب من الانشاد الذي احيل بعد ذلك إلى فنون الفلكلور الشعبي في دبي والامارات.
مرعي الحليان


