الهدية هي تعبير عن حالة الصفاء بين شخصين، فعندما تدخل بيتا سواء بمناسبة، أو بدون مناسبة حاملا بيدك هدية مهما كانت قيمتها، فإنها تعبّر عن حالة من الصفاء بينك وبين الشخص الذي يمثل هذا البيت .

تؤدي الهدية وظيفة بالغة الأهمية في التعاضد الاجتماعي إلى درجة أنها يمكن أن تزيل تاريخا من الخلافات، وتؤسس لصفحة جديدة بين شخصين، أو بين عائلتين، أو حتى بين دولتين، فيمكن أن تصاب دولة بأذى، أو تمر بمحنة، فتأتي دولة على خلاف معها، وتقدّم هدية كتعبير للوقوف إلى جانبها، وكتعبير عن تحمّلها لجزء من الأذى الذي أصابها، فتكون ذلك بمثابة صفحة جديدة بين الدولتين .ويمكن أن تصاب عائلة بمكروه، فيتقدم أشخاص من عائلة على خلاف معها يقدمون هدية كتعبير عن مشاركتهم للتخفيف من المكروه، فيكون ذلك بمثابة لبنة أولى للصلح بينهما، وإعادة المياه إلى مجاريها . ويحدث أن ينشب خلاف بين صديقين لمدة طويلة، ويصاب أحدهما بداء، فيذهب الآخر لعيادته حاملا بيده هدية رمزية حتى لو كانت باقة ورد متواضعة، فتزيل هذه الورود ذاك الخلاف وتعيد المودة إلى قلبيهما .

ألوان الهدايا في زحمة المناسبات التي تتفاقم مع توسع روابط العلاقات الأسرية والاجتماعية، يمكن للهدية أن تنوب عن مرسلها في بعض الحالات، فيمكن لباقة ورد تحمل الاسم مع عائلته أن تنوب عن الحضور مناسبة إكليل، بيد أن الأمر يكون مختلفا في حالات المرض، فلا بد للمعني أن يرى المريض وجها لوجه، وتقّديم الهدية له مع التمني له بالشفاء، ففي هذه الحالة لا شيء ينوب عن أحد إلا إذا كان خارج البلاد، عندذاك، وفي هذا الظرف الاستثنائي يمكن أرسال الهدية مع اتصال هاتفي يكون بمثابة حضور .

الهدية بين القبول والرفض في جميع الأحوال، فإن الهدية هي يد محبة ممددة لمصافحة الاخر، ومجرد قبول الهدية، فهو استقبال لمحبة هذا الشخص نحوه، وإذا حمل فضل الإرسال، فإنه يتحمل فضل الاستقبال، ثم يتفضل عليه مرة ثانية بأن يردها له بأحسن منها، أو بمثلها.

و البعض يعتقد أنه لا يرفض الهدية إلا من كان به لؤم، فاللئيم يمكن له أن يرفض الهدية، وعند ذاك يعبر عن مساحة لؤمه، في حين أن الكريم، يقبل الهدية حتى لو أتت من شخص لئيم، وهو بذلك يعبر عن مساحة حسن الظن لديه عند القبول، ويعبر عن مساحة كرمه عندما يردّ بأحسن منها سواء بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة .

الهدية في التراث العربي

وضع الاسلام مكانة هامة لقضية تبادل الهدايا بين الاقارب لانها تلعب دورا أساسيا في إزالة الخلافات الازواج و تمتين الروابط بين الاسر فقد جاء عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم ) «تهادوا تحابوا» و هي أعظم رسالة إنسانية راقية لانه الهدية بين الزوجة و زوجته بمناسبة و غير مناسبة لها مفعول كبير في ايجاد أسرة سليمة ومعافاة من المشاكل الاسرية، كما ذكر شهاب الدين أبي الفتح محمد بن أحمد الأبشيهي في كتابه ( من المستطرف في كل فن مستظرف) بعض أشكال الهدايا في التراث العربي، ومن ذلك قوله:

أهدى ملك الروم إلى المأمون هدية، فقال : أهدوا له ما يكون ضعفها مائة مرة، ليعلم عز الإسلام، ونعمة الله تعالى علينا، ففعلوا ذلك، فلما عزموا على حملها .

قال : ما أعز الأشياء عندهم ؟

قالوا : المسك والسمور .

قال : وكم في الهدية من ذلك ؟

قالوا : مائتا رطل مسكا، ومائتا فروة سمور .

و أهدت قطر الندى إلى المعتضد بالله في يوم نيروز في سنة اثنتين وثمانين ومائتين هدية، كان فيها عشرون صينية ذهب، وعشرة منها مشام عنبر وزنها أربعة وثمانون رطلا، وعشرون صينية فضة، في عشرة منها مشام صندل، زنتها نيف وثلاثون رطلا، وخمس خلع وشي قيمتها خمسة آلاف دينار، وعملت شمامات ليوم النيروز بلغت النفقة عليها ثلاثة عشر ألف دينار .

كما يذكر الأبشيهي أن ثريا بنت الأوباري أهدت ملكة إفرنجة وما والاها إلى المكتفي بالله في سنة ثلاث وسبعين ومائتين خمسين سيفا، وخمسين رمحا، وعشرين ثوبا منسوجا بالذهب، وعشرين خادما صقليا، وعشرين جارية صقلية، وعشرة كلاب كبار لا تطيقها السباع، وستة بازات، وسبعة صقور، ومضرب حرير متلوّن بجميع الألوان كلون قوس قزح، يتلوّن في كل ساعة من ساعة النهار، وثلاثة أطيار من الأطيار الإفرنجية، إذا نظرت إلى الطعام أو الشراب المسموم صاحت صياحا منكرا، وصفقت بأجنحتها حتى يعلم ذلك .

ازالة الخلاف

تؤدي الهدية وظيفة بالغة الأهمية في التعاضد الاجتماعي إلى درجة أنها يمكن أن تزيل تاريخا من الخلافات، وتؤسس لصفحة جديدة بين شخصين، أو بين عائلتين، أو حتى بين دولتين، فيمكن أن تصاب دولة بأذى، أو تمر بمحنة، فتأتي دولة على خلاف معها، وتقدّم هدية كتعبير للوقوف إلى جانبها، وكتعبير عن تحمّلها لجزء من الأذى الذي أصابها، فتكون ذلك بمثابة صفحة جديدة بين الدولتين .

قبول الهدية

ان الكريم يقبل الهدية حتى لو أتت من شخص لئيم، وهو بذلك يعبر عن مساحة حسن الظن لديه عند القبول، ويعبر عن مساحة كرمه عندما يردّ بأحسن منها سواء بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة .

عبد الباقي يوسف