تعتبر رواية «دونيا باربرا» أهم عمل أدبي كتب باللغة الإسبانية على الإطلاق وهي تتربع على عرش الأدب الفنزويلي والأميركي اللاتيني بلا منازع. رواية كتبها الفنزويلي رومولو غاييغوس ونشرها في برشلونة عام 1929 وأعيد طباعتها أكثر من 40 مرة وترجمت إلى العديد من لغات العالم الأخرى، وتقع في 3 أجزاء وتتطور أحداثها في سهوب «أبوري» الواقعة في منطقة «أراوكا» الفنزويلة.

السيدة باربرا امرأة ثرية تملك أراضي واسعة لا تبصرها العين، ولقد أصبحت إمارة قاسية القلب لا ترحم عقب تعرضها لتجربة نفسية صادمة لما كانت في سن المراهقة عندما تم اغتصابها من قبل مجموعة من القراصنة الدمويين الذين خطفوا منها حب حياتها الأول كذلك راكمت أراضي كبيرة وقطعانا ممتدة من الماشية مستخدمة الرجال لمنفعتها الشخصية وبأساليب غير قانونية على غرار شراء ذمم المسؤولين المحليين.أحد ملاك الأراضي القلائل المتبقين في المنطقة هو سانتوس لوزاردو، الذي عاد من المهجر لفرض سيطرته على مزرعة عائلته يخامره الشك في أن رئيس عمال المزرعة بالبينو بايدا كان يعمل سرا لصالح دنيا باربرا بغية التمكن من سرقة ماشيته. العمال الآخرون لا يظنون بأن سانتوس يمكن أن يكون الشخص الذي يضع العراقيل في طريق دنيا باربرا، لكنه يظهر من خلال طريقته المفرطة في ركوب الحصان أن توازنات السلطة في المنطقة على وشك التغيير.

لدونيا باربرا ابنة مراهقة من لورينزو باركيرو، مالك الأراضي التي كانت متورطة معه، وتركت أمها في أحضان الإفلاس، أم لا تريد معرفة شيء عن ابنتها التي ظلت مهملة كليا، لكن خوان بريميتو أحد خدام دونيا باربرا ظل يهتم بها سراً.

بعد اكتشافه ماريسيلا يعهد سانتوس لنفسه مهمة الاهتمام بها وأمها ويأخذهما إلى مزرعته ليقدم تعليما وتربية لائقين لماريسيلا محاولا ابعاد باكيرو عن إدمانه على الكحول. في غضون ذلك، تشعر دونيا باربرا بالانجذاب نحو سانتوس، لكنها عندما تعلم بأن ابنتها نفسها منافسة لها في حبها، فإنها تسعى بكل الطرق إلى تدميرهما.

تروي القصة، إذا، عودة سانتوس لوزاردو إلى مزرعة في السهوب الفنزويلية ولقائه مع دونيا باربرا، رئيسة المزرعة، في مشهد يضع القارئ أمام تحليل رائع لمجتمع السهوب والبلاد عموما، إذ تعرض هذه الرواية التاريخية للصراع بين الحضارة والبربرية، فالتقدم فيها مجسد في شخصية سانتوس لوزاردو والتخلف، المفروض بحكم المحيط الجغرافي، في بقية الشخصيات عموما وفي دنيا باربرا على وجه الخصوص.

دنيا باربرا تمثل فنزويلا القاسية تلك، غير المبالية بالفساد، الخيانة، الاستبداد، نقص الحريات، الاستغلال، المظالم وتعاطي السحر والشعوذة، لكن في «الميلودراما» يظهر في الواقع وجود عرق طيب أيضا يحب ويعاني ويتطلع إلى النضال ضد الديكتاتورية الجامحة التي كانت سائدة آنذاك، أناس يمثلهم سانتوس لوزاردو.

إنها رواية واقعية فيها رصد عميق للعالم، وصف مميز للواقع، ومبتغاها يذهب إلى ما هو ابعد من ميدان الأدب وتشعباته، ذلك أنها تسعى إلى تحقيق غاية اجتماعية، نوع من التغيير في المجتمع، حيث يظهر هذا العمل الأدبي اهتمام رومولو غاييغو الكبير بأعمال مبضع الجراح في الواقع الفنزويلي البربري والأهوج في القرن التاسع عشر وذلك عن طريق مشروع متحضر يطرح، في المقام الأول.

ضرورة الدفع باتجاه عملية تعليمية خارقة يوجهها ويقودها مجتمع أو إنسان مثقف هدفه الخروج من نفق البربرية المظلم والولوج إلى حالة تقدمية عنوانها الرئيس الالتزام بالقانون وإيجاد آليات جمعية تقوم على الفطرة السليمة وتحقق النفع العام وتذهب إلى ما هو أبعد من الشخصيات البسيطة والميول الفردية الخاصة، أي أن غاييغو يطرح بصورة مبكرة جدا هنا حلا لظاهرة ما عرف باسم ال«كاودييسمو» أي الزعامة، وهي ظاهرة اجتماعية سياسية راجت في القرن التاسع عشر في البلدان المتحدثة باللغة الإسبانية وتقوم على خروج قادة يتمتعون بخصال مميزة وحضور جماهيري كبير.

تم تحويل رواية «دنيا باربرا» إلى عمل سينمائي عدة مرات أولها كان عام 1943ومدته 138 دقيقة وهو من إخراج فرناندو فوينتيس وبطولة الممثلة المكسيكية ماريا فيليكس وقام رومولو غاييو نفسه بكتابة السيناريو بينما أنتجت النسخة الأرجنتينية عام 1998 من إخراج وسيناريو بيتي قبلان.

كما اقتحمت هذه الرواية عالم الشاشة الصغيرة عدة مرات كذلك، ونسختها التلفزيونية الأبرز ظهرت عام 1975في موطنها الأصلي فنزويلا، وقام التلفزيون الكوبي بدوره بإنتاج نسخته الخاصة عام 1978. كما ظهرت نسخة أخرى في بيرو عام 1964، أما في المكسيك فتعرض هناك نسخة منذ عام 2008 الماضي.

من الجدير ذكره أن رواية «دونيا باربرا» تشكل مرجعية أدبية وسياسية لا غنى عنها في فنزويلا وفي عموم القارة الأميركية، إذ أنها تعتبر نقطة انطلاق الأدب القومي، الواقعي والاجتماعي هناك، بعد أن نجت من إلقائها في البحر من قمرة سفينة على يد زوجة المؤلف أثناء رحلة قادتهما عبر أوروبا وصولا إلى إسبانيا حيث نشرها في مدينة برشلونة.

للاحتفاء بمرور ثمانين عاما على صدور هذه الحلة الأدبية، عمدت الكثير من المؤسسات الثقافية في البلدان الناطقة بالإسبانية إلى إطلاق مبادرة تضمن سلسلة من الفعاليات التي ستبدأ في أغسطس من العام الجاري، وذلك عندما يحتفل بالسنوات المئة وخمس عشرون التي مرت على ولادة رومولو غاييغو.

باسل أبو حمدة

الكتاب: دونيا باربرا

تأليف: رومولو غاييغوس

الناشر: أرالوسي، فنزويلا، 1929

الصفحات: 395صفحة

القطع: المتوسط