كلما تمر مناسبة رحيل مبدع دون ان نتذكره أو يموت شاعر، ولا شيء عنه سوى بضعة أسطر في صحيفة يومية، ولربما لا ينشر خبر حقاً، كلما حدث ذلك أشعر بقسوة الحياة التي تمر من قربنا ونحن نتفرج عليها لا نجرؤ على دخولها أو الخروج منها ولكأننا أعداء العيش، لذلك ننسى مبدعينا وننسى ضمائر أمتنا الذين حملوا أرواح وجودنا من زمن إلى زمن.

أن ما يدعو للأسف فعلاً ان تتجاهل مناهجنا التعليمية كبار مبدعي العصر وتصر على تمجيد من كان سبباً في متاهة فكرنا لعقود، تلك المناهج التي تتخذ من النصف الأول من القرن العشرين صورة لأدب العرب المعاصر وتتوقف لدى شعراء بعينهم كسقف للحداثة، ومن ثم تملأ الصفحات بترفهم ودعة عيشهم وتمجيد حياة مانحيهم سبل رفاهيتهم.

هل يمكن القول ان شاعراً مؤثراً كمحمد الماغوط انتصر طيلة حياته للبسطاء وعبر عن همومهم لا يستحق الدخول إلى مناهجنا التعليمية! بل من هو الذي يقرر ويفرز من يستحق الدخول إلى كتب المدرسة ومن لا يستحق ذلك؟ وهل يجب الحصول على صكوك اعترافية بقيمة الفن من جهة ما حتى يتمكن الأبناء من دراسة أحد أبرز مبدعي القرن العشرين شعرياً!

عندما تمر ذكرى الماغوط ولا يلتفت أحد إليها يشعر المرء بقسوة الظلم الذي يحيق بالشعر، قسوة تدفع المرء للقول ان العرب يأكلون موتاهم، والأشد قسوة ليس نسيانهم فحسب بل بتجاهلهم عمداً، كما هو الحال للشاعر محمد الماغوط الذي مرت ذكرى رحيله الثانية مروراً لم يتوقف عندها أحد، وما جدوى التوقف في ظل غياب شعره عن دفاتر أبنائنا وعن محفوظاتهم.

لقد اعتاد فريق من مقرري المناهج التعليمية اختيار قصائد مغناة يسهل ترنيمها وتلوين حفظها، وطيلة عقود دربوا ذائقة الأجيال الجمالية على نوع معين من شعر راقص يفخر ويمدح ويهجو، ومن الطبيعي ألاّ تستسيغ ذاكرة الأجيال شعراً لا يصلح لغرض غير تنبيه الحواس ومواساتها كما فعل الماغوط طيلة حياته، فقد كان معزياً وساخطاً وساخراً وكانت تلك وسيلته لتحمل الزمن فقراً وتشرداً وخسراناً وقلة تقدير!

قسوة الحياة ليست في تتالي الخسائر، بل في التجاهل والنكران كما نفعل كثيراً مع مبدعينا، وما سيرة الماغوط إلا مثال قريب على قسوتنا.