(تاريخ إنساني ومقارن للمناخ) لمؤلفه ايمانويل لوروا لادوري هو عنوان «عريض» لعمل من ثلاثة مجلّدات، يخص هذا الأخير الذي صدر في نهاية شهر يناير من عام 2009 «سخونة الأرض منذ عام 1860 وحتى اليوم». كان المجلّد الأول قد حمل عنوان: «موجات الحرّ القائظ والبرودة القارسة من القرن الثالث عشر حتى القرن الثامن عشر» والمجلّد الثاني: (حالات بؤس وثورات 1710-1860).
ويشير المؤلف بداية إلى أن المناخ في أوروبا عرف موجات من «الفتور الحراري» ما بين بداية القرن الثالث عشر وعام 1860، أو ما يسمّى بفترة «عصر الصقيع الصغير» التي كانت أكثر برودة من الفترة الحالية. ثم اعتبارا من ذلك التاريخ ؟ 1860- عادت موجة جديدة من «الارتفاع البسيط في درجة الحرارة» كي «تدمر تدريجيا» موجة الصقيع السابقة. ذلك الارتفاع الضئيل «الحرارة الفاترة» تحوّل اعتبارا من عام 1911 إلى موجة من «السخونة».
(موجة السخونة الجديدة) التي بدأت، حسب تقدير المؤلف عام 1911، هي التي تشكل موضوع هذا العمل. وكانت وسائل الإعلام قد تحدّثت بأشكال كثيرة عن ظاهرة زيادة سخونة الأرض، ولكن دون وضعها في سياق «الاستمرارية الزمنية» الطويلة، كما يفعل المؤلف-المؤرخ.
أما الأدوات التي يستخدمها فإنها تشمل المعلومات الخاصة بزيادة الحرارة وبمعدلات هطول الأمطار وكذلك جميع المعلومات المتعلقة بالحصاد والقطاف وتربية المواشي والسياحة، ذلك على اعتبار أن هذه الأمور كلها تشكّل مؤشرات على التبدلات المناخية الجارية.
قد يكون من الهام الإشارة إلى أن اهتمام ايمانويل لوروا لادوري بالمناخ يعود عمليا إلى سنوات الستينات المنصرمة، عندما كان قد صدر له في عام 1967 كتابا بعنوان: «تاريخ المناخ منذ عام 1000».
وفي هذا العمل الجديد يبرر اختياره لعام 1860 بكون أنه يمثل «خاتمة» فترة استمرت من العصور الوسطى حتى ذلك التاريخ. وكان للمناخ في تلك الفترة أهمية استثنائية، حيث كان يمكنه أن يؤدي إلى اندلاع «ثورة» في فترات القحط الكبير مثلا. لكن الأمور تغيّرت بعد عام 1860 حيث أن (المناخ تابع ممارسة التأثير على التاريخ، ولكن بطريقة أكثر تحفظا بكثير).
أما السبب الرئيسي في هذا التحوّل فتتم إعادته إلى كون أن الإنسان أدرك أنه يمتلك بعض السبل للتخفيف من آثار المناح. هكذا لم تؤد موجات الحر القائظ، أو البرودة الجليدية، ومهما كانت شدّتها إلى دفع المجتمعات نحو حالة من الفوضى، في الفترة الحديثة.
ويشرح المؤلف أنه تبنّى تاريخ 1911 كنقطة انطلاق في مرحلة جديدة من التغيّر المناخي، ذلك أن تلك السنة كانت بداية سخونة في أوروبا خاصة، وعلى الصعيد الكوني عامة، لا تزال آثارها مستمرة حتى الفترة الراهنة.
وتقول المعلومات المقدّمة أن عام 1911 شهد أحد أكبر موجات الحر القائظ القاتلة حيث توفي في صيفها بأوروبا حوالي 000 40 ضحية، نصفهم من الأطفال الذين كانت تقلّ أعمارهم عن عام واحد. كما شهدت تلك السنة هلاك 000 181 خنزير و000 685 من النعاج والخرفان. وكان ذلك مسؤولا عن ارتفاع كبير في أسعار اللحوم ومشتقات الحليب، مما تترتب عليه اضطرابات اجتماعية كبيرة.
وإذا كان المؤلف-المؤرخ يؤكد أنه يمكن للطبيعة أن تفاجئ حتى الآن البشر دون احتساب، على غرار إعصار «تسونامي» الشهير عام 2004، فإنه يؤكد بالمقابل لعدم إمكانية أن تتكرر في بلد مثل فرنسا مجاعات كبرى بسبب المناخ أو غيره بحيث تؤدي إلى وفاة ملايين البشر. بهذا المعنى أصبحت تبعية معيشة البشر للتبدلات المناخية في القرن العشرين مختلفة تماما عن تلك الفترات السابقة التي كان يكفي أن تتضاءل المحاصيل كثيرا حتى تظهر مباشرة الكوارث الغذائية.
وبهذا المعنى أيضا يمكن لموجات حر قائظ قاتلة، مثل تلك التي شهدتها فرنسا عام 2004، أن تمر دون أن تترك آثارا عميقة في الذاكرة.والتبدل المناخي ابتداء من عام 1860 أدّى إلى تبدّل في أدوات البحث المعتمدة لمعرفة تأثير المناخ. فقبل ذلك التاريخ كان القمح هو «المؤشر» على المناخ، أما بعده فيشير المؤلف أنه اعتمد على «النبيذ» كأداة للبحث، ذلك اعتمادا على فترات قطاف العنب ونوعية المحصول.
ويذكر المؤلف في هذا السياق الحالة الخاصة ل(البطاطس). ففي منتصف القرن التاسع عشر خرّبت فطور سامّة حقول البطاطس في ايرلندة التي يعتمد السكان عليها بشكل أساسي في تغذيتهم. وأدّى ذلك إلى مجاعة ذهبت ضحيتها ما بين 000 75 ومليون شخص، أي ما يعادل ثلث سكان ايرلندة آنذاك.
هكذا هاجر الناجون من المجاعة، حوالي 2 مليون نسمة، إلى الولايات المتحدة واستراليا. يشير المؤلف هنا إلى أن السبب لم يكن المناخ مباشرة ولكن تلك «الفطور السامة» التي ساعد المناخ على انتشارها. ويصل المؤلف في النتيجة النهائية لتحليلاته إلى القول أن المنظور «المناخي» لا يسمح بكثير من التفاؤل.
ذلك أن السخونة «الزائدة» التي بدأت تباشر منذ مطلع سنوات الثمانينات يمكنها أن تطرح في الأفق القريب مشاكل في غاية الصعوبة على الإنسانية كلها، وليس على صعيد القارة الأوروبية وحدها.
وكتاب يؤسس مؤلفه لما يسميه «تاريخ المناخ» حيث يثبت أن خبراء التغيرات المناخية بحاجة إلى «مؤرخين». هؤلاء المؤرخون لا يشرحون تلك التغيرات ولكن تأثيراتها على حياة البشر.
المؤلف في سطور
ايمانويل لوروا لادوري، هو أحد أهم المؤرخين الفرنسيين المعاصرين، وأحد أعمدة «مدرسة الحوليات» لكتابة التاريخ. وهو أستاذ فخري في الكوليج دو فرانس، وكان مديرا عاما للمكتبة الوطنية الفرنسية وهو عضو في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية.
الكتاب: تاريخ إنساني
ومقارن للمناخ
سخونة الأرض
منذ 1860 حتى
اليوم
تأليف: ايمانويل لوروا
لادوري
الناشر: فايار
باريس 2009
الصفحات: 460 صفحة
القطع: المتوسط
Histoire humaine et comparée du climat, le réchauffement de 1860 à nos jours
yoR eL leunammE Ladurie
Fayard -Paris2009
4064.P
