التقى الروائي الأميركي نورمان ميللر والروائي الفرنسي جون مالاكي عام 1947. وقام هذا الأخير بترجمة رواية ميللر الشهيرة «الأجساد العارية والموتى» إلى اللغة الفرنسية. وكانت بداية صداقة عميقة جمعت الرجلين لمدة نصف قرن من الزمن، تبادلا خلالها المراسلات لمدة 37 سنة. هذه المراسلات هي بالتحديد التي يضمّها هذا الكتاب «مراسلات جون مالاكي ونورمان ميللر 1949-1986».
هذه الرسائل المتبادلة بين روائيين كبيرين يتم نشرها اليوم للمرّة الأولى. ولا تقتصر بالتأكيد على مجرّد التعبير عن الصداقة العميقة التي جمعت بين الرجلين ولكنها تؤرخ لمرحلة أدبية واجتماعية وسياسية كاملة. وإذا كان نورمان ميللر هو الأكثر شهرة على الصعيد الأدبي العالمي، فإن هذا لا ينفي حقيقة أن ميللر لم يترك مناسبة دون أن يؤكد فيها أنه مدين جدا «لمكتشفه ومترجمه» جون مالاكي. ولم يكن يتردد في القول: «لقد مارس علي تأثيرا لم يمارسه أحد غيره».
وتمثل هذه الرسائل المتبادلة بين ميللر ومالاكي نوعا من كتابة السيرة الذاتية. وهي تلقي الكثير من الضوء على شخصية جون مالاكي، الذي لم ينل حتى الآن حقه من الاعتراف في فرنسا. ولكنه لم يعد اسما مغمورا إلى حد كبير مثلما كانت سيرة حياته «مغمورة» في حي الباستيل الشعبي. هذا فضلا عن أنه كان يكسب ما يؤمّن عيشه من العمل كحمّال في المرافئ أو في تفريغ الشاحنات ليلا في سوق الخضار المركزي بباريس.
كان مالاكي، كما تقول سيرته، معجبا بليون تروتسكي، الشيوعي اليساري، فسافر إلى موسكو التي وصلها بنفس الفترة التي عرفت عزل تروتسكي من آليات السلطة. وبعد فترة أمضاها مالاكي في سجون ستالين جرى طرده من روسيا ليصل بعد رحلة شاقة إلى العاصمة الفرنسية باريس، مقصده. واستطاع بعد فترة قصيرة نسبيا من الزمن أن يجيد اللغة الفرنسية، ويقرأ ما يقع تحت يديه من الكتب. لقد كان وقته موزعا بين القراءة وممارسة الأعمال اليدوية «الصغيرة» من أجل تأمين قوت أيامه.
ويروي جون مالاكي في أحد رسائله كيف تعرّف على الروائي الفرنسي اندريه جيد، صاحب رواية «الغذاء الأرضي» التي وصلت شهرتها إلى العالم أجمع. وكان جيد قد أظهر إعجابه الشديد بالحيوية الذهنية والثقافة الواسعة التي اكتسبها مالاكي القادم من الشرق ولم يتعلّم أبدا في أية مدرسة فرنسية سوى ارتياده اليومي إلى مكتبة «سان جنفييف».
كان من المفروض أن تضع جائزة «رونودو» الأدبية حدا لسنوات البؤس المادي التي عاشها جون مالاكي. لكن اندلاع الحرب العالمية الثانية واجتياح جيوش هتلر لبلده الأصلي بولندة دفعه للانخراط في صفوف الجيش الفرنسي ليجد نفسه أسيرا في معتقل نازي استطاع الفرار منه ووصل إلى مرسيليا.
لقد عاد إلى حياة البؤس من جديد فقرر الرحيل إلى «شطئان أكثر ترحيبا بالغرباء». وخرج من مغامرته في الأسفار برواية حملت عنوان: «كوكب بدون تأشيرة دخول».
وقد أعاد كتابتها عدة مرات قبل أن يُصدرها بطبعتها النهائية قبل وفاته بفترة قصيرة عام 1998. وكان قد كتب «يوميات الحرب» عن الحرب بين المكسيك والولايات المتحدة. وفي نيوريوك «اكتشف» جون مالاكي روائيا شابا «واعدا»، كما يصفه في رسالة لاحقة، اسمه نورمان ميللر. وشرع بترجمة رواية «الأجساد العارية والموتى» عن أجواء الحرب إلى اللغة الفرنسية.
ولم يقم مالاكي بالترجمة فحسب، ولكنه أضاف تعليقاته حول «نقاط ضعف الأسلوب». كان قد اكتسب خلال ثلاث سنوات أمضاها في نيويورك كفاءات عالية في إصدار الأحكام، ليس الأدبية فقط، ولكن أيضا اللغوية وجماليات النصوص.ومن خلال قراءة المراسلات التي تبادلها الرجلان، يبدو بوضوح أن «جون مالاكي» كان بمعنى ما يحتل موقع «المعلّم» بالنسبة للروائي الأميركي الشهير.
ولم يكن مالاكي يتردد، في رسائله، بتوجيه النقد العنيف أحيانا حيال أعمال صديقه أو حيال الآراء التي أصدرها النقاد.هكذا يعبّر مالاكي في أحد رسائله عن الغشاوة التي غطت على بصيرة النقاد الأميركيين عندما كالوا المديح والتمجيد لرواية «الأجساد العارية والموتى» التي رفعتها الصحافة الأميركية إلى مكانة الروائع الخالدة بينما لم تول أهمية تذكر للرواية الثانية «شاطئ البربرية».
وكتب مالاكي في أحد رسائله لصديقه أن النقاد «اعتبروا الرواية الأولى جيدة ذلك أنهم وجدوا أنفسهم في الزبد الأخلاقي المألوف والمقبول الذي لن يعكّر عليهم هدوءهم». ويضيف مالاكي أن أولئك النقاد لم يروا أن «شاطئ البربرية» مكتوبة بطريقة أفضل بكثير من الرواية الأولى.
المؤلفان في سطور
نورمان ميللر، هو أحد أشهر الروائيين الأميركيين في العقود الأخيرة، من مواليد عام 1923 في نيوجرسي بالولايات المتحدة وتوفي في نيويورك عام 2007. حصل على جائزة بوليتزر مرّتين الأولى عام 1969 عن روايته «جيوش الليل» والثانية عام 1980 عن روايته «أغنية الجلاّد» ، وجون مالاكي، من مواليد وارسو عام 1908 وتوفي في جنيف عام 1998. وهو روائي فرنسي حاز على جائزة رونودو عام 1939.
الكتاب: هنري ميللر- جون
مالاكي، مراسلات
1949-1986
تأليف: نورمان ميللر
جون مالاكي
الناشر: لوشيرش ميدي
باريس 2008
الصفحات: 285 صفحة
القطع: المتوسط
Norman Mailer-John Malaquais, correspondances 1949-1986
Norman Mailer, Jean Malaquais
Le Cherche-Midi Paris 2008
285.P
