«اختراع التيار المستقبلي» هو كتاب لمؤلفته كريستين بوجي عن ذلك التوجّه الفني الذي كان الشاعر الإيطالي «فيليبو تومازو مارتيني» قد أعلن ولادته بتاريخ 20 فبراير- شباط من عام 1909، وذلك عبر مقال نشره في صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية وأعطاه عنوان: «البيان المستقبلي»، ذلك على غرار «البيان الشيوعي» الذي كان قد أصدره ماركس وانجلس سابقا.
هذا الكتاب يصدر إذن بمناسبة الذكرى المئوية للإعلان عن ولادة التيار المستقبلي. وتشرح المؤلفة هذا التيار حيث تعود إلى ذلك «البيان المستقبلي» الذي أعلن بموجبه الشاعر «مارينيتي» ولادة «التيار المستقبلي» الإيطالي والذي تحدث فيه بحماس عن «حب المخاطر» و»جمال السرعة» ووصولا إلى القول بضرورة «تحسين الحروب» ذلك على أساس أنها «السبيل الوحيد للرعاية الصحيّة للعالم».
وتشرح كريستين بوجي الكلمات التي أطلقها مارينيتي و استقطبت حولها «حركة فنية وسياسية» حازت على نفوذ كبير لدى الأوساط الثقافية والسياسية في إيطاليا أولا ثم على الصعيد الأوروبي. ولكن تلك الحركة لاقت التهميش و»التجاهل» لاحقا بسبب «تمجيدها للعنف وللنزعات القومية المتشددة». وكذلك بسبب ما عرفته تلك الحركة من تعاطف مع المشروع الفاشي الذي عرفته إيطاليا لاحقا في ظل حكم النظام الفاشي، بقيادة موسوليني.
تحاول المؤلفة إعادة تقييم التيار المستقبلي في الفن والأدب والسياسة من خلال إعادة وضعه في السياق التاريخي للحركات الفنية الطليعية التي شهدها القرن العشرون، ذلك إلى جانب التكعيبية، التي كان بابلو بيكاسو هو رمزها الأساسي، والدادائية والسريالية وغيرها من تلك الحركات التي مهرت بطابعها التاريخ الثقافي للقرن الماضي. وتتم الإشارة إلى أن «التيار المستقبلي» كان بمثابة الحركة «الرائدة»، بما هو لأفضل وفي أحيان كثيرة بما هو أسوأ، لمختلف الحركات الطليعية.
وتتمثل نقاط الارتكاز الأساسية التي قامت عليها التيارات الطليعية، وفي مقدمتها «التيار المستقبلي» في التركيز على تمجيد الحداثة بكل مستلزماتها المفروضة من أجل اللحاق بالعصر بل من أجل «دخول المستقبل» و»التحرر من «القيود» التي يفرضها الحاضر مهما كانت أشكالها وإيديولوجياتها. هكذا نادى «المستقبليون» بالبحث عن الدينامية والسرعة والشباب وبناء الإنسان «الجديد» والمدينة «الجديدة» وولوج جميع مشارب التقنية. بل ودعوا بوضوح إلى «العنف الخلاّق» وحتى إلى «الحرب». الوجه الآخر لهذا كله هو «نبذ الماضي والتقاليد والطبيعة بكل ما يُحكى عنها من رومانسية».
وتجمع المؤلفة هذه الصفات كلها كما صورها «التيار المستقبلي» بالقول أنها تعبير عن «نزعة مقاتلة ساذجة». هذا مع التركيز على صفة «الساذجة» التي يدلّ عليها رد الفعل الذي أبداه المبدعون «المستقبليون» في مختلف المجالات الفنية والأدبية حيال «صدمة الحداثة». وتشرح المؤلفة كيف أن «رد فعلهم» كان أكثر تصالحا وتماشيا مع الحس العام مما احتوت عليه التصريحات «النارية» التي تضمّنها بيان موريتيني في بيانه «التأسيسي».
وكان ذلك الشاعر الإيطالي الشاب، المولود في مصر، قد قدّم أطروحات «استفزازية» وصلت إلى حد المطالبة ب»تهديم المتاحف والأكاديميات» ومحاربة الأطروحات «الأخلاقية» السائدة. وترى المؤلفة أن موريتيني، رغم التزامه السياسي اللاحق ودعمه في «ثرثراته» نظام بينيتو موسوليني الفاشي، بقي «هامشيا» جدا في إطار مجتمعه، ومحافظا على «ذهنيته التحريضية» التي خلقت باستمرار نوعا من «سوء الفهم» المستمر بين «المستقبلين» ومحيطهم.
وتقوم كريستين بوجي بدراسة تجليات النزعة «المستقبلية» في الأدب والفن والسياسة من خلال مجموعة من الأعمال والنصوص والمواقف. هذا مع التركيز على دراساتها كلها في الإطار الأوسع للتاريخ الاجتماعي الإيطالي حيث رأت فيها نوعا من التعبير عن أشكال كامنة من القلق حيال الإيقاعات السريعة للحياة في المدن.
وإذا كان ذلك «التيار» قد عرف بداياته في إيطاليا، وتمّ الإعلان عنه في فرنسا، فإنه تطوّر إلى حركة ثقافية عامة طالت ميادين الفن والأدب وعالم الإعلان والخط. كذلك تجاوزت حدوده الجغرافية بل مولده إذ وصلت آثاره سريعا إلى عموم القارة الأوروبية وصولا إلى روسيا من خلال حركة أطلقت علة نفسها صفة «تكعيبية ـ مستقبلية» خلال سنوات 1910-1917» ولم يكن فلاديمير مايكوفسكي هو أقل رموزها شهرة.
وتؤكد كريستين بوجي على أن «التيار المستقبلي» في مختلف مشاربه كان هو «الأكثر إثارة للاستفزاز والصدمة» بين مختلف مشاربه كان هو «الأكثر إثارة للاستفزاز والصدمة» بين مختلف التيارات الطليعية.
كما أنه التيار الذي شهد، إلى جانب التيار السريالي، القدر الأكبر من النزاعات الداخلية ومن الانقسامات و«طرد» هذا الفنان أو ذاك من صفوفه. لكن هذا لم يمنع واقع أنه أصبح «نمطا للعيش» وليس مجرّد حركة هامشية. إنها طال ميادين الرسم والنحت والأدب والسينما والتصوير والمسرح والموسيقى والعمارة... والسياسة.
وما يتم التركيز عليه هو أن «موريتيني» لم يكن يلقى الكثير من الترحيب في بلاده. ذلك أن البورجوازية الإيطالية رأت فيه شخصا «مثيرا» لا يهمه سوى «التحريض». كما أن اقترابه من النهج السياسي «الفاشي» منذ عام 1919 جعلت قسما كبيرا من المثقفين الإيطاليين ينفرون منه وعدم إعطائه مكانة هامة في تاريخ الفن والأفكار في القرن العشرين.
المؤلفة في سطور
كريستين بوجي باحثة أميركية تعمل أستاذة لتاريخ الفن في جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأميركية. سبق لها وقدّمت كتابا تحت عنوان: «تحديات الرسم: التكعيبية والمستقبلية واختراع فن الملصقات».
الكتاب: اختراع التيار
المستقبلي
فن سياسة
التفاؤل المصطنع
تأليف: كريستين بوجي
الناشر: جامعة
برينستون 2008
الصفحات: 392صفحة
القطع: المتوسط
Inventing futurism
Christine Poggi
Princeton University Press 2008
392.P
