«مناهضة الرأسمالية والثقافة» هو عنوان كتاب جيريمي جلبرت الذي يشرح فيه العلاقة بين «النظرية الراديكالية والثقافة الشعبية»، كما يقول عنوانه الفرعي. وبشكل أكثر وضوحا يدرس المؤلف العلاقة بين التقاليد الراديكالية للدراسات الثقافية والحركات السياسية الجديدة المناهضة للعولمة، على اعتبار أن هذه العولمة تمثل المستوى الأعلى من الرأسمالية بنسختها اللبرالية السائدة.
إن هذا الكتاب يمثل في المحصلة دراسة حقيقية للتاريخ الثقافي في العالم الغربي عامة خلال القرنين المنصرمين. هذا على الرغم من تكريس «التاريخ الثقافي» كأحد مشارب العلوم الاجتماعية منذ عدة عقود قريبة. لكن هذا لا يمنع بعض الباحثين إلى إعادة جذوره للجذور القديمة وصولا إلى هيرودوت وتوسيديد.
أما في العصور الحديثة فيبدو أن أصوله تعود إلى «الدراسات السوسيولوجية للمعرفة» التي عرفت بداياتها في العالم الانكلو- سكسوني. بكل الحالات يبقى ميدان التاريخ الثقافي هو الممارسات الاجتماعية بعيدا عن أية صيغة للتقييم «الجمالي». هذا على عكس التاريخ الأدبي مثلا. لكن يمكن لأي نص أدبي أن يتضمّن على قيمة تاريخية.
ويشير جيريمي جلبرت إلى أن بعض المؤرخين الحديثين سعوا من خلال تأكيد مفهوم التاريخ الثقافي إلى الخروج من الأطر التقليدية للدراسات التاريخية ذات المضمون الاقتصادي والاجتماعي حصرا. وكان المقصود بذلك هو التخلّص من المدارس الفكرية الجامدة، والماركسية على رأسها، خاصة في مقولاتها حول قوانين التاريخ. هكذا ظهر التأكيد على مقولة التاريخ الثقافي بمثابة التأكيد أيضا على ضرورة تجديد المؤسسات الثقافية وأطرها ومواضيعها.
وبنفس الوقت الذي شاع فيه الحديث عن «رهانات التاريخ الثقافي» و«مضامينه» تنوعت المشارب التي يتعرّض لها. هكذا جرى استخدام صيغ جديدة مثل «التاريخ الثقافي للسياسة» و«ثقافات الحرب» و«الجغرافيا الثقافية» و«سوسيولوجيا الثقافة» و«التاريخ الثقافي للنزعات الاستعمارية»، الخ. وتتم الإشارة إلى أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت الكثير من الاهتمام بمفهوم «التاريخ الثقافي»، الأمر الذي يدل عليه بوضوح الكم الكبير من الكتب والدراسات والمقالات والندوات والأطروحات الجامعية المكرّسة له.
ويكرّس المؤلف العديد من الصفحات للحديث عما يسميه بـ «ثقافة القطيعة». ذلك على أساس أن المعركة المناهضة للرأسمالية اليوم تتطلب ذهاب النقد إلى عمق أكبر فيما يخص الكشف عن تناقضات المجتمعات الرأسمالية. وبحيث تغدو «ثقافة القطيعة» نوعا من الحاجة لدى «ورثة» الثقافة السائدة.
هذا مع الإشارة إلى أن هذه الثقافة قد يتم التعبير عنها باسم اليمين أو اليسار أو حتى اليسار المتطرف. وفي ظل أنظمة ترفع رايات الديمقراطية أو التمثيل البرلماني أو غير ذلك من الصيغ التي تؤكد على أنها تمارس «سلطتها» باسم «حركة الجماهير».
ولكنها في واقع الأمر ليست سوى مجرد أشكال مختلفة للتأكيد على التراتبية والنخبوية الملازمتين لآليات عمل المجتمعات الرأسمالية وحيث يتم حل جميع المشاكل على مستوى الدوائر العليا في الدولة. ويتمثل أحد الأهداف التي تبحث عنها الثقافة المناهضة للرأسمالية في تفكيك «آليات» السيطرة القائمة. ذلك على أساس أن هذه الآليات تمنع، أو على الأقل تحدّ كثيرا، من انفتاح الفرد في المجتمعات الرأسمالية على الآخرين داخل مجتمعه، وكذلك على «الآخر» في تمثيله لحضارات وثقافات أخرى.
كذلك تحدّ من قدرة الفرد على أن يتخطّى الإرث الثقافي الذي صاغ المشهد الاجتماعي-السياسي الغربي منذ الثورة الفرنسية بشكل خاص. ويتم دفع هذا النهج من التحليل وصولا إلى القول أن الخروج من الأطر التقليدية و«معارك التحرير» الثقافي المناهضة للرأسمالية يتطلّب تجاوز حصر هذه المعارك بين «المسيطرِين» و«المسيطَر عليهم» والشروع في إرساء أسس «ثقافة القطيعة».
وينبغي أن تتضافر في هذا السبيل تعبيرات الحركة الاجتماعية التي تؤكد أنه لا يمكن إهمال البعد الاجتماعي لأي توجّه سياسي أو اقتصادي. ويتم التأكيد أنه من خلال الجمع بين الجبهتين، السياسية والاجتماعية، يمكن فعليا ولوج الطريق الذي قد يؤدي إلى «تغيير الثقافة » والرأسمالية السائدة.
ومع التأكيد على ضرورة عدم التخلّي التام والكامل عن كل المظاهر الإيجابية في الثقافة الغربية، باسم القطيعة، يرى المؤلف أنه لا بد من مراجعة جذرية لـ «المجال الثقافي» بحيث يتم التقريب بين «الثقافة العليا» و«ثقافة الجماهير»، كما تطلب الحركات المناهضة للرأسمالية عامة، وللعولمة، بصيغتها اللبرالية السائدة اليوم، بشكل خاص. وكتاب يطرح مؤلفه المسألة الثقافية بمختلف أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
المؤلف في سطور
جيريمي جلبرت، كاتب وباحث، له مساهمات في عدة دوريات بريطانية وأميركية وأسترالية. سبق له ونشر كتابا مع آخرين حول فلسفة الموسيقى، وآخر عن العلاقة بين الثقافة والسياسة في ظل إدارة توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا السابق. جرت ترجمة عدة مساهمات له للغتين الاسبانية والألمانية. يعمل حاليا في حقل الاستشارات الثقافية.
الكتاب: مناهضة
الرأسمالية
والثقافة
تأليف: جيريمي جلبرت
الناشر: بيرج بوبليشر
لندن 2008
الصفحات: 224صفحة
القطع: المتوسط
Anticapitalism and culture
Jeremy Gilbert
Berg Publishers London 2008
224.p
