لماذا صعدت بعض البلدان النامية في عصر العولمة بينما راوحت أخرى في المكان أو تراجعت؟ يركز كتاب «العولمة والمنافسة» على دراسة الإستراتيجيات الوطنية للتنمية. ويرى مؤلفه لويس كارلوس بريسير ـ بيريرا أن هذه الإستراتيجيات تشكل المفتاح الحقيقي نحو ولوج عالم العولمة مع التزوّد بقدرة المنافسة.

هذا فضلا عن أنها تدفع باتجاه تبنّي ما يسميه المؤلف بـ النزعة الجديدة للتنمية، التي تشكل موضوع الفصل الثالث، ويتم تمييزها عن مفاهيم التنمية السابقة باعتبار أنها تقوم على أساس الخطاب الثالث الذي يؤكد على أهمية الحس العملي البراغماتي.

ويناقش المؤلف الميل نحو المبالغة في قسمة أسعار الصرف والمبالغة في توجيه الاقتصاد نحو تصدير المواد الأولية، أو تتم تسميته بـ «المرض الهولندي». وقضية التوفير الخارجي، حيث يسود التوجه لدى العديد من الدول نجو استبدال التوفير الداخلي بالتوفير الخارجي. وتتم في هذا الإطار مناقشة الحالة البرازيلية خلال سنوات التسعينات المنصرمة.

يؤكّد لويس كارلوس بريسيرـ بيريرا على أن الهيمنة الإيديولوجية التي كانت تمارسها الولايات المتحدة الأميركية خلال سنوات التسعينيات المنصرمة، وتحديدا بعد حرب الخليج الأولى عام 1991 وبروز مقولة النظام الدولي الجديد في ظل الزعامة الأميركية، قد تراجعت ؟

أي الهيمنة ـ إلى حد كبير ، والوجه الآخر لهذا التراجع في الهيمنة الأميركية على الصعيد العالمي، يجده المؤلف في القول أنه، نظرا للمسارات التي عرفتها مجموعة من الدول الآسيوية، وفي مقدمتها الصين والهند، ومن الدول الصاعدة الأخرى خاصة في أمريكا اللاتينية، برزت إمكانيات حقيقية كي تزيد الاقتصادات الصاعدة من هامش مناورتها وتحقق معدلات نمو مرتفعة تسمح لها باللحاق في الدول المتقدمة التقليدية.

لكن رغم أهمية الوصول إلى مثل هذا التوازن العالي يرى المؤلف أن أغلبية بلدان أميركا اللاتينية تميل نحو المبالغة في معدلات الصرف. وتتم إعادة ذلك إلى مجموعة من الأسباب البنيوية، الخاصة بالبلدان المعنية، وعلى رأسها المرض الهولندي. والمقصود بذلك الآثار السيئة المترتبة على توجيه الاقتصاد حصريا نحو تصدير المواد الأولية.

وما يجد مرجعيته في الحالة الهولندية التي أنتجت المرض الهولندي، ذلك أن هولندا كانت قد اكتشفت في حوالي عام 1960 حقول هامة من الغاز الطبيعي، فكان رد فعلها الأول هو إهمال القطاع الصناعي الذي اندحر وتراجع.

وبالإضافة إلى الأسباب البنيوية يحمّل المؤلف مسؤولية ميل بلدان أمير كا اللاتينية نحو المبالغة في معدلات الصرف، على السياسات الاقتصادية التي انتهجتها أغلبية البلدان المعنية وكانت غير ملائمة لتحقيق التنمية المنشودة. ويتم التركيز هنا على التداعيات الاقتصادية السلبية التي ترتبت على التوجه نحو التوفير الخارجي. هذا في حين أن المؤلف يؤكد على أولوية تحقيق توفير داخلي جوهري وتنويع مصادر الدخل والابتعاد بالتالي عن الانفتاح المالي العشوائي.

أما الأطروحة الرئيسية في هذا الكتاب التي تتمحور حولها مختلف الأفطار المقدّمة فإنها تتمثل إجمالا بالقول أن البلدان التي تبنّت في عصر العولمة الليبرالية السائدة إستراتيجيات تقوم على أساس التركيز على التنمية الوطنية هي بالتحديد البلدان التي استطاعت اليوم أن تقاوم أكثر من غيرها الأزمة المالية العالمية الراهنة. الأمثلة التي يقدمها على مثل هذه الأطروحة هي البلدان الآسيوية التي تحقق منذ سنوات عديدة معدلات نمو اقتصادي سنوي مرتفعة تقارب 10 بالمائة.

ويرى لويس كارلوس بريسير ـ بيريرا أن الدول التي تبنّت خطط تنمية وطنية اعتمدت على التعامل بشكل عملي متوازن مع العولمة من جهة وابتعدت من جهة أخرى عن السياسات المتزمّتة الارثوذكسية التي تحاول المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية فرضها، هي الأكثر قدرة على المنافسة اليوم.

وبالنسبة لبلدان أميركا اللاتينية، وبالاعتماد خاصة على التجربة البرازيلية التي عرفت عددا من السياسات الاقتصادية خلال العقدين المنصرمين، يحدد المؤلف ثلاثة عوامل كبحث التنمية فيها. ويمكن إجمالها بالقول أنها تتمثل في الانفتاح المالي المفرط وضعف التوفير الداخلي والاعتماد على تصدير المواد الأولية في الاقتصاد.

ويشير المؤلف إلى أن بلدان أميركا اللاتينية تشكّل نوعا من المختبر العام للبحث في أنماط التنمية والإستراتيجيات الجديدة التي ينبغي تبنّيها في عالم العولمة. ومحاولة في تقديم الإجابة على سؤال: لماذا نجحت بعض البلدان النامية في الصعود بينما واجهت بلدان أخرى صعوبات في مساراتها الاقتصادية.

المؤلف في سطور

يعمل لويس كارلوس بيسير ـ بيريرا أستاذا للاقتصاد في مؤسسة غيتيليو فارغاس في البرازيل، ويقوم بالتدريس بشكل دوري في كلية الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية بباريس. كان وزيرا للمالية في البرازيل عام 1987 ثم وزيرا للإدارة وإصلاح الدولة ووزيرا للعلوم والتكنولوجيات خلال سنوات 1995-1999.

الكتاب: العولمة والمنافسة

تأليف: لويس كارلوس بريسير-بيريرا

الناشر: رديكوفيرت باريس 2009

الصفحات: 195صفحة

القطع: الصغير

Mondialisation et compétition

Luiz Carlos Bresser-La Découverte

Paris Pereira20095

195 .p