نثر هادر يلقي الضوء على تناقضات السبعينات المرعبة الذين قرأوا، بحب وتعاطف، مجموعة الكاتبة الصينية ييون لي الأولى بعنوان «ألف عام من الصلوات الطيبة» التي توجت بأبرز الجوائز العالمية في القصة القصيرة، لاشك في أن الفضول يساورهم وهم يقرأون الآن بمزيد من الفضول روايتها الأولى الصادرة مؤخراً بعنوان «الضائعون».
في هذه الرواية، شأن معظم قصص لي في مجموعتيها الأولى والثانية، تعود إلى الماضي القريب في تاريخ الصين الحديث، ونحن في الرواية نعود على وجه الدقة إلى صين الأقاليم في عام 1979، أي بعد عامين ونصف العام من انتهاء عاصفة الثورة الثقافية.
نحن هنا في مدينة مادي ريفر الإقليمية الصغيرة التي شيدت من العدم في عام 1959 استجابة لمقتضيات التخطيط الاقتصادي المركزي، حيث يوشك حكم الاعدام أن ينفذ في جو شان، المنشقة حالياً والعضوة السابقة في الحرس الأحمر، التي تخلت عن كل ما تحمست له في صدر شبابها من تعاليم الشيوعية وتوجيهات الزعيم ماوتسي تونج.في البداية يبدو أنها ستلقى حتفها من دون حداد عليها، باستثناء الحداد من جانب أمها، التي لاتزال تصر على اتباع الأعراف القديمة التي تقضي بحرق ملابسها عند تقاطعات الطرق لتسهيل انتقال روحها إلى العالم الآخر.
ولكن تدريجياً تتحول شرارات الحداد إلى تمرد صغير النطاق حقاً، ولكنه من الاتساع في نهاية المطاف بحيث يجلب سخط السلطات الصارم على شبكة مترابطة من الأفراد، هم الضائعون الذين يشيرون إليهم عنوان الرواية.
وأول ما يلفت نظرنا هو أن الرواية تشبه إلى حد كبير الكثير من أعمال القص التي يكتبها المؤلفون الشبان في الصين، والتي تلقى الضوء على الإساءات إلى الإنسانية والجرائم والتخلف والجهل والفساد في حياة المدن الصغيرة المنتشرة في مختلف أقاليم الصين، والتي لا تدعو إلى الكثير من التفاؤل فيما يتعلق بمستقبل المجتمع الصيني.
وهذا كله يتطابق مع التيار الرئيسي الواقعي الانتقادي في الأدب الصيني الحديث، ويختلف عن الدفق الهائل من الكتابات التي يقدمها المهاجرون الصينيون من الكتاب الذين يستقرون في الغرب، فنحن هنا بإزاء نص منضبط للغاية، مكتوب بكثير من الكبح لمشاعر المؤلفة وتعليقاتها ومصاغ بحرفية عالية في إطار رواية تاريخية مميزة، ولن نجد فيه الميل المعهود للاستسلام للتفاصيل النابعة من سيرة الحياة الذاتية للمؤلفة.
جون شان يتم إعدامها بتهمة كتابة تعليقات نقدية للحكومة، وعملية الإعدام نفسها والانتقادات الاحتفالية التي تسبقها تعالجها المؤلفة بقدر مدهش من الحساسية، حيث تمضي لي بالقارئ عبر اليوم الأخير في حياة جوشان، والذي ينتهي بعد أن تكون كليتاها قد استأصلتا لاستخدامهما في عملية ستجرى لمسؤول إقليمي كبير، وهي لن تدفن إلا بعد أن تمر بأيدي سادي محلي اشتهر بفظائعه وأحد المنحرفين الجنسيين المتسترين بشعارات الحزب، حيث تتوالي الفظائع، التي تصورها المؤلفة بنثر هادر ومكبوح الجماح في آن.هذا التجنب الملحوظ للمؤثرات الميلودرامية لا يمكن إلا أن يلفت نظرنا.
وأيضاً لا يمكن إلا أن نتوقف عند عمق الفساد المستشري في الأجهزة التي تدير هذه العاصمة الإقليمية، والتي يصل الأمر بها إلى أن يتلقى رؤساؤها هدايا هي عبارة عن أجهزة تلفزيون ملونة مكافأة من المسؤول الذي أمر بهذه المسرحية السياسية للحصول على كليتي جو شان.
هكذا فإن لي تستغل مصرع جو شان والاحتجاج الذي يعقبه والانقضاض الصارم من جانب السلطة على المحتجبن لتقدم لنا بانوراما مدهشة عن الحياة في صين السبعينات، حيث تتعايش عادات الفلاحين مع المصانع ومع الاصلاحات الثقافية التي تدعمها الدولة. وتحفل رواية «الضائعون» بالعنف والرعب، بما في ذلك الفظائع التي تنهال على جثة جوشان، لكن لي تجد مجالاً للمحات المرحة هنا وهناك على امتداد الرواية.
وعلى الرغم من الاشادات النقدية العديدة التي واكبت هذه الرواية فور صدورها، إلا أنها لا ينبغي أن تحجب عنا عيوبها العديدة.في مقدمة هذه العيوب أنه لا يتم تفسير تحولات شخصية جو شان نفسها بالقدر المطلوب من القدرة على الإقناع، فنحن لا نعرف حقاً ما فيه الكفاية عما حفزها لتبني الوضعية التي تبدي فيها استعدادها للتخلي عن ابنها وعن زوجها الذي ينتمي إلى آلية الحزب، ولا نعرف ما يكفي لفهم ذلك التلاعب بين مسؤوليتها الشخصية وبين تصوراتها السياسية، ونحن نضيع بدورنا، ولكن على الصعيد الدرامي هذه المرة، عندما لا يتم اطلاعنا على المعارك التي تخوضها شخصيات عدة مع ضمائرها.
إن كل الشخصيات تقريباً ضائعة بدرجة أو بأخرى، وهذا هو ما يجعل الرواية جهمة حقاً ومعتمة إلى أبعد الحدود، ومن الصعب أن تجد أي شخصية يمكنك أن تتداخل وتتحاور معها، فهي كلها شخصيات تتعرض للفظائع على يد المجتمع على نحو لا مجال معه للإصلاح، فلا يملك المرء إلا التساؤل. هل الأمور كلها في الصين على هذا النحو؟ هل يتعرض الصغار للتخلي عنهم على ضفاف الأنهار؟
هل يترك الأطفال للملاجئ أو تجبر الفتيات على الزواج في عمر مبكر للغاية؟ هل تخون الزوجات أزواجهن بفعل السياسة والأبناء آباءهم وهل يخون كل شخص جميع الناس لأن مواصلة البقاء على قيد الحياة هو كل ما يهم؟
عيوب الرواية لا تقف عند هذا الحد وإنما تمضي إلى آفاق أبعد، فالحبكات الفرعية تبدو أقرب إلى قصص قصيرة أدرجت في الرواية منها إلى أجزاء من نسيجها الأصلي، والخط الرئيسي للسرد يبدو أقرب إلى حيلة في بناء هيكل الرواية أكثر منه بؤرة مركزية لها.
وبعض القراء قد يجدون أن الصفحات الثمانين الأولى تمر بهم سريعة، ومن ثم يغدو من الصعب على هم العودة إليها لتدقيق التفاصيل بعد أن يوغلوا في قراءة الرواية، وذلك مرجعه إلى أن الرواية تعكس طابعاً سينمائياً، وكأن المؤلفة كتبتها وعينها على سيناريو فيلم سيقتبس عنها يوماً.
وقد يجد البعض في هذا ميزة وليس عيباً، ولكن العيب يبرز بصفة خاصة في محدودية تواصل القارئ مع الشخصيات بفضل هذا الطابع السينمائي أو البصري إن شئت. وعلى الرغم من هذه العيوب، وغيرها كثير، فإن رواية «الضائعون» تظل عملاً فريداً حقاً وجديراً بالاهتمام وبأكثر من قراءة نقدية وتحليلية.
الكتاب: الضائعون
تأليف: ييون لي
الناشر: راندوم هاوس نيويورك 2009
الصفحات: 325 صفحة
القطع: المتوسط
The Vagrants
Yiyon Li
Randam House,N.Y., 2009
325.P
