فور صدور الرواية الأولى للكاتبة الصينية ييون لي بعنوان «الضائعون»، بادر موقع «رومبوس» الثقافي المختص في عروض الكتب إلى إجراء هذا الحوار معها، حيث أوضحت طبيعة العالم الخلفي الذي انطلقت منه الرواية بما في ذلك تحديد ما تعنيه البطولة في التقاليد الفكرية الصينية، وأشارت إلى الأبحاث التي أجرتها للإعداد لروايتها، وأوضحت أنها تعكف الآن على كتابة رواية جديدة تدور حول جريمة قتل، مؤكدة في الوقت نفسه استمرار اهتمامها بكتابة القصة القصيرة. وفيما يلي نص الحوار:

ما هو شعورك باعتبارك كاتبة عندما يطلب منك الإدلاء بتصريحات حول الاتجاه السياسي في الصين؟

لست أرغب عادة في الإدلاء بأي تعقيب لأنني أشعر بأنه إذا كان لديَّ ما أقوله فإنني ينبغي أن أعرف كل ما يتعلق به جيداً، ولست أعتقد أنني أعرف الموقف السياسي بصورة جيدة على نحو يكفل طرح تعليقات مفيدة، ولذا فإنني سأتجاوز هذا السؤال إلى ما بعده.عندما قرأت بروفة روايتك «الضائعون» انخرطت في البكاء. وقد ذكرت أيضاً أن تأليف هذه الرواية كان بمثابة طريقتك في وضع مفهوم البطولة موضع التساؤل.

كنت بالفعل في كيلكيني في أيرلندا عندما قرأت بروفة الرواية، وغمرني الحزن، حيث أحسست بالحزن لإرسال الناس الذين تضمهم الرواية بين دفتيها إلى عالمهم، ذلك أن شخصيات المؤلف تظل دوماً أطفاله، وبينما تعكف على الكتابة فإنك تبقى عليهم سالمين، أما الآن فإنهم على أهبة المضي إلى العالم، وهذا أمر محزن، وأنا سعيدة بالطريقة التي صدرت بها الرواية، وقد أحزنني انتهاء كل الشخصيات حقاً.

وفيما يتعلق بالبطولة فقد نشأت في ظل ثقافة تعلم تحت سقفها بالكثير عن الأبطال والبطلات طوال الوقت. وعلى نحو ما فإنك عندما تصف شخصاً ما بأنه بطل أو بأنها بطلة فإن ذلك يعد كوصفك لهما بأنهما وغدان سواء بسواء.

ولدى امرأة واحدة تتسم بالبطولة إلى حد كبير في الرواية، ولكنها كانت بالفعل الشخصية الأكثر صعوبة بالنسبة لي كمؤلفة لأنني لم أستطع دفن بطولتها، وإنما تعين علي باستمرار التساؤل حول ما يدفعها ويحفزها، لقد كانت امرأة في مقتبل العمر ولها ولد صغير، ولكنها تتخلى عن هذا كله، عن مكانتها، عن طفلها، عن عائلتها وعن زواجها من أجل شئ تم إعدامها جزاء وفاقاً عنه، ولابد أن يكون هناك حقاً شيء دفعها نحو ذلك.

هل قمت بالكثير من الأبحاث لإنجاز هذه الرواية؟

كان البحث الرئيسي هو حول كيفية بناء صرح المدينة التي تدور فيها وقائع الرواية، وقد جعلت من المدينة التي ينتمي إليها زوجي نموذجاً لمدينة الرواية، وهو يتمتع بذاكرة قوية فيما يتعلق بالأماكن، ولذا فقد أعد خارطة هائلة، وذلك قبل برنامج جوجل الخاص بالأرض، وجعل المدينة مفصلة تماماً على الخريطة، فهناك متجر للتسوق ودكان لحام، ثم قمت بموضعة شخصياتي على تلك الخريطة، وبعد أن رصدت المدينة على برنامج جوجل، أدهشني مدى التطابق بينهما.

ما هي آلية عملك للوصول إلى الذاكرة؟ إن روايتك تدور أحداثها في أواخر السبعينيات، عندما كنت لاتزالين طفلة صغيرة. هل حاولت بصورة واعية تذكر التفاصيل التي تعود إلى طفولتك؟ هل تطلعت إلى الصور؟

كنت أشارك في لجنة تحكيم تابعة لمجلة «نيويوركر» مع مانيل ساري، ولذا قرأت روايته الأولى، وفي الفصول الأولى كان هناك مشهد تقوم فيه امرأة بصبغ شعرها بالاستعانة بفرشاة أسنان قديمة، فقلت له إن هذا المشهد يطابق تماماً الكيفية التي اعتادت أمي أن تصبغ بها شعرها، ولكنني كنت قد نسيت ذلك، ولذلك فإنني أعتقد أننا نقرأ لنسترد ذاكرتنا، ولكنني كنت قد نسيت ذلك، ولذلك فإنني أعتقد أننا نقرأ لنسترد ذاكرتنا.

وفي كتاب وليام تريفور بعنوان «قراءة تورجنيف» هناك جزئية صغيرة في مستهل الرواية حول متجر أقمشة مزدهر. والمتجر في الطابق السفلي ومكتب المحاسبة في الطابق العلوي، وكل الفواتير والأموال تصعد من أسفل إلى أعلى في عربة قطار صغيرة، وهذه جزئية لن ينتبه إليها أحد لأنها مدرجة في سطر واحد، ولكن هذا السطر ذكرني بمتجر كان يحدث ذلك فيه تماماً في البلدة التي نشأت بها.

وبالنسبة لروايتي كانت الصور مصدر عون، فقد تأملت ألبوماً للصور يعود إلى ذلك العهد، ورأيت صوراً عظيمة حقاً في صحيفة «نيويورك تايمز» حول تلك المرحلة التي ظهرت فيها النظارات الشمسية لأول مرة في الصين، ورأيت صدورة لثلاثة شبان يضعون نظارات شمسية قاتمة حقاً، وقد بدا أنهم أشداء على نحو صارم، وقد أدرجتهم في روايتي كشخصيات ثانوية.

ما الذي تقرأينه في الوقت الحالي؟

إنني أقرأ كل القصص القصيرة التي تصل إليها يدي، لأنني أقوم بتدريس القصص القصيرة حالياً، وأقرأ الكثير لتشيخوف وجريس بايلي، وهما كاتبان قرأت أعمالهما من قبل ولكن ليس بصورة منهاجية منتظمة، وقد نقلت رواية «الحرب والسلام» إلى مكتبي، ولكنني لست أدري ما إذا كنت أريد الشروع في قراءتها حقاً. وأنا أقرأ الكثير من روايات شرلوك هولمز الآن وكذلك باتريشيا هايسميث.

الآن وبعد أن أكملت روايتك الأولى، هل لديك أي اقتراحات فيما يتعلق بعملية تأليف الرواية؟

هناك خطأ بارز في تأليف الرواية الأولى، وهو توسيع نطاق قصة قصيرة لتصبح رواية، فبعض الأشياء تظل أفضل في صيغة القصة القصيرة، وليس بمقدورك توسيع نطاق الأشياء لتصنع منها رواية، وأعتقد أن المئة صفحة الأولى في الرواية مهمة للغاية، ففي هذه الصفحات ترسي الأمور، عالم الرواية، وشخصياتها، وما إن تقوم بذلك حتى يكون الانطلاق قدماً في انجاز الرواية أكثر سهولة.

وأنا أشدد على طلابي دوماً بضرورة مراجعة ما يكتبونه بعد المئة صفحة الأولى من العمل الذي ينجزونه وإعادة الكتابة من البداية، فمن الصعب حقاً أن تفعل ذلك بعد أن تكون قد انتهيت من تأليف أربعمائة صفحة وتدرك أن المئة صفحة الأولى بها عيوب لابد من استدراكها.

ما الذي تعكفين على تأليفه الآن؟

أعتقد أنني سأشرع في تأليف رواية في الربيع المقبل، وهي تدور حول جريمة قتل، وأنا أتعلم الكثير الآن حول جرائم القتل، لكن الأمر لايزال في مرحلة تمهيدية تماماً، ولهذا السبب فإنني أقرأ الكثير من روايات شرلوك هولمز. وللإعداد لهذه الرواية المقبلة انتهيت لتوي من انجاز قصة تقع في ثمانين صفحة، وأعتقد أن هذه القصة ستكون القصة الأخيرة في مجموعتي القصصية الثانية، التي أنجزتها كمشروع جانبي في غمار تأليفي لرواية «الضائعون».

كيف تختلف القصص في مجموعتك الثانية عن قصص مجموعتك الأولى؟ هل هي أكثر استطراداً؟ هل قمت بتجريب أشكال جديدة منها؟

إنني أحب مجموعتي الثانية أكثر من الأولى، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلابد أن هناك مشكلة. وإذا نظرت إلى مجموعتي الأولى «مئة عام من الصلوات الطيبة» من منظور الأسلوب، فإنك ستجد عدداً محدوداً للغاية من القصص يختلف كثيراً عن باقي قصص المجموعة، ومن هنا فإنك تعرف أنني كنت أجرب الكثير من الأشياء المختلفة، والأسلوب في المجموعة الثانية أكثر تطوراً وأشد رسوخاً، وأنا أحس بأنني أكثر نضجاً باعتباري كاتبة للقصص القصيرة الآن، وأعرف ما هي نوعية القصص التي أريد أن أحكيها.

المؤلف في سطور

نشأت الكاتبة والروائية الصينية ييون لي في بكين وتخرجت من جامعتها، ومضت إلى الولايات المتحدة في عام 1996 لدراسة الطب، حيث حصلت على درجة الماجستير في علوم المناعة من جامعة أيوا، ودرست الكتابة الإبداعية في ورشة الجامعة ذاتها الشهيرة على مستوى العالم وحصلت على درجة الماجستير في الأدب.تفرغت للكتابة، حيث قدمت مجموعتها الأولى بعنوان «ألف عام من الصلوات الطيبة» التي فازت عنها بمجموعة من أبرز الجوائز العالمية في القصة القصيرة.

وهي جائزة فرانك أوكونور الدولية للقصة القصيرة، وجائزة مؤسسة هيمنغواي اتحاد الكتاب الدولي وجائزة صحيفة «غارديان» للكتاب الأول، وانجزت مجموعتها الثانية وروايتها الأولى بعنوان «الضائعون» وتعكف حالياً على انجاز روايتها الثانية، وهي تعمل بتدريس الكتابة الإبداعية في جامعة كاليفورنيا.

منى مدكور