يتناول هذا الكتاب التجربة القصصية المهمة للقاص عبدالإله عبدالقادر والذي يعد من القصاصين الذين أخلصوا لفن القصة وعبروا عن إخلاصهم فيما أنتجوه من مجموعات قصصية سعت إلى تمثيل الواقع والبيئة والعصر بكل ما ينطوي عليه ذلك من خصوصية ميراث وشعبية أكدت عمق صلة القاص بمجتمعه وبيئته والحساسية المنبثقة من أعماق هذا المجتمع وإشكالات هذه البيئة.

وعلى رغم التأثير العميق للغربة التي عاشها القاص بعيداً عن وطنه وبدأت منذ سبعينات القرن الماضي في تشكيل مزاجه القصصي وتغيير الكثير من قناعاته في الحياة والأشياء إلا أن حاسته الوطنية، حسبما يشير الكتاب، بطابعها الشعبي المميز ظلت حاضرة ومتقدة في الكثير من أعماله القصصية وظلت الروح العراقية البصرية متأججة في كل ما كتب من قصص.

ويحاول المؤلفان من خلال الكتاب استقراء ما تعكسه مرايا السرد القصصي من قضايا ورؤى يمكن أن تشكل المقولة القصصية التي يسعى القاص إلى تكريسها في نماذجه القصصية على النحو الذي يبرز جماليات الأداء في الخطاب القصصي بحيث أن جمالية الأداء تنبع أساساً من القيمة التي تتجلى في مقولة القصة وفلسفتها في التعبير.

وعبر ستة فصول هي مجمل متن الكتاب يتناول المؤلفان موضوع الدراسة في مسعى لاستظهار القيمة الفنية والإبداعية والإنسانية للقصص. وقد خصصا الفصل الأول للبحث في تقانات السرد القصصي عبر تحليل نمطي السرد الذاتي والموضوعي ونمطي الحوار الذاتي والموضوعي فضلاً عن قراءة تقانة الوصف من خلال نمطيها البانورامي والديكوري.

وفي هذا المجال يشير الكتاب إلى أن نسبة 88% من قصص عبدالإله عبدالقادر تمثل سرداً موضوعياً ولا سيما في بداياته القصصية الأولى. وعن تقانة الحوار فمما يشير إليه الكتاب أن القاص يستخدم الحوار استخدامات متنوعة بوصفه الجزء المكمل والمتمم لأطراف العملية السردية الثلاثة، إذ يحيط به السرد من جهة والوصف من جهة أخرى. ومن بين أنواع الحوار ـ الخارجي والداخلي والذاتي ـ فإن الأول يحظى عادة بحضور بارز وحيوي في كل أشكال السرد القصصي بوصفه انموذجاً قاراً يحتاجه السرد عموماً ويسهم بوظائف لا غنى للكثير من أشكال القص عنها.

فيما تناول الفصل الثاني عناصر القص من خلال آليتي التمركز و«التبئير» أهم عناصر السرد القصصي في أعمال عبدالإله ابتدءاً من نماذج المكان ثم سياقات الزمن وصولاً إلى «تبئير» الحدث وما تشكله من بنى سردية تحتية تسهم إسهاماً فاعلاً في تشييد عمارة القصة ومناخها وفضائها التعبيري.

ومن البناء إلى المضمون يتناول المؤلفان بعد ذلك في الفصل الثالث قضايا الخطاب القصصي من خلال النظر في المرجعيات التي استند إليها القاص وهو يقدم موضوعاته. وحسب الكتاب فقد تركزت هذه المرجعيات على المرجعية الأسطورية والتي تأثرت بها قصص عبدالإله شأنها شأن الأعمال القصصية الأخرى، الأمر الذي يبدو في محاولة استعادة أسطورة كلكامش وبحثه عن الخلود وهى أسطورة متداولة ومعروفة.

وقد حاول القاص في «مرثية لكلكامش» التوحيد بين الشخصية القصصية ـ علوان الأحدب ـ وكلكامش لإثارة فكرة البحث عن الهوية الضائعة، إلى جانب المرجعية الميراث ـ شعبية والمرجعية الحلمية والرؤيوية لتشكل بذلك أهم المرجعيات المعتمدة في بناء أي فعل قصصي ممكن يسعى إلى استلهام تجربة غنية عند القاص.

ويقوم الفصل الرابع على الغوص في بعد آخر من مهمة تحليل أعمال عبدالإله القصصية ويتمثل في محاولة استقراء فاعلية ما يصفه المؤلفان بـ «العتبات النصية» وأهميتها في بناء النص ومن العتبات الأساسية عتبة العنوان بوصفه أحد أهم المفاتيح التي يمكن من خلالها التدخل في الفضاء السيميائي للنص. ونظراً لكثرة الرسائل في قصص القاص فقد شكلت عتبة نصية مهمة يجب الالتفات إليها وتحليل رؤيتها «العتباتية» في القصص ومن ثم التوجه إلى عتبة الإهداء بوصفها عتبة ذات إحالة مهمة يجب الاهتمام بها وبقيمة حضورها في بناء النص.

ثم يتناول المؤلفان بعد ذلك الخصائص الثقافية وما تعكسه من أبعاد في نمذجة القص على وفق صياغات معينة تتردد في الكثير من القصص وكأنها لازمة يضفي تكرارها قيمة تعبيرية ضاغطة على حركة السرد. وشمل التدخل في هذا الإطار البعد المحلي والبعد الثقافي وبعد قصة الحرب بوصفها الموضوعات الرئيسية التي اشتغلت عليها هذه الخصائص.

وهنا يشير المؤلفان مثلاً إلى انطلاق عبدالإله من البيئة المحلية التي ارتبط بها ارتباطاً روحياً وإن نأى عنها بغربته جسدياً، فالبصرة.. المدينة والوطن والحياة بكل معانيها.. حاضرة في قصصه على مستوى تعبيري مكثف وذات ملمح رمزي ووجودي ودلالي وقد ارتبط بها وعبر عن هذا الارتباط من خلال تفاعل الشخصيات مع هذه البيئة من جهة ومن خلال أفكاره التي عبرت عنها الشخصيات من جهة أخرى وهو بعيد في المنفى.

المؤلفان في سطور

د. محمد عبيد حاصل على دكتوراه في الأدب العربي الحديث والنقد وهو أستاذ النقد الأدبي الحديث في الدراسات الأولية فاز بالعديد من الجوائز، منها الجائزة الأولى في مسابقة الشارقة للإبداع العربي الدورة الثانية ـ 1998 ومن كتبه السيرة الذاتية الشعرية قراءة في التجربة السيرية لشعراء الحداثة العربية، وكتاب القصة العربية الحديثة بين البنية الدلالية والبنية الإيقاعية.

أما الدكتورة سوسن البياتي فحاصلة على دكتوراه في السرديات العربية وتدرس في كلية الآداب بجامعة تكريت في العراق، صدر لها كتاب بالاشتراك مع الدكتور محمد صابر بعنوان «الكون الروائي في الملحمة الروائية للملهاة الفلسطينية لإبراهيم نصر الله» ولها قيد الإصدار كتاب «الأساطير العراقية القديمة دراسة في تشكلها السردي» وكذا كتاب «جماليات التشكيل الروائي» وهى تنشر مقالات ودراسات مختلفة في الدوريات العربية.

ألفت عبدالله

الكتاب: مرايا السرد وجماليات الخطاب القصصي

تأليف: د. محمد صابر عبيد، د. سوسن البياتي

الناشر: دار العين للنشر القاهرة 2008

الصفحات: 308صفحات

القطع: الكبير