يحاول كتاب «الخيال.. من الكهف إلى الواقع الافتراضي» لمؤلفه شاكر عبدالحميد أن يسلط الضوء على دور الخيال الحاسم في معظم جوانب الحياة الإنسانية، في الفنون البصرية، وفى الآداب، وفي العلم، وفي التفاعلات الإنسانية أيضا... مستشهدا بمقولة جون ديوي ان الخيال قادر على اختراق حالة القصور الذاتي التي تميز العادات السلوكية. ولا يوجد تناقض بين الخيال والعقل، بل على العكس، يمكن للخيال أن يعمل على تنشيط العقل، وطرح البدائل حين مناقشة أي قضية.
واعتبر المؤلف أن أكبر دليل على قدم وقدرة الخيال الإنساني، تلك الرسومات الموجودة بكهوف الإنساني البدائي ـ في استراليا وأسبانيا وزامبيا وغيرها ـ قبل الثقافة الشفهية، ثم كانت الأساطير، تلك الأساطير السابقة على اللغة الكتابية.
وظل الخيال مرافقا للمسيرة الإنسانية ومنجزاتها، من الكهف وحتى الواقع الافتراضي الآن. والواقع الافتراضي (مصطلح صاغه العالم جاردون لانير، وصفا للطريقة التي يشعر بها مستخدمو الكمبيوتر أو الحاسوب، حيث يمتزج فيها الصورة والصوت والأنظمة الحسية، بحيث يشعر الإنسان كما لو أن الإنسان يندمج داخل هذا العالم (وهو عالم افتراضي وليس حقيقيا).
وخلل تلك الرحلة الطويلة زمنيا، قدم البعض تعريفات متنوعة ومختلفة للخيال. قال «بارسيلسس» طبيبا أوروبيا في عصر النهضة الأوروبية، وهو رائد العلاج بالعقاقير في تلك الفترة، والطب الذي يعتمد على علاج الأعراض، وفصل الروح (التي هي وسيلة الساحر).. لأن الإنسان له براعة مرئية هي (الجسد) وغير مرئية هي (الخيال).. وانتهى إلى أن «الخيال» أداة «الروح» في تشكيل «الجسد». أما التخيل، فهو القدرة اعمال الخيال، وهو عند المبدع والمتلقي مع اختلاف درجته في كل منهما.. عند الأول لإنتاج العمل الأدبي، بينما عند الثاني لاستقبال العمل وفهمه.
والتخيل في قاموس «أكسفورد» للغة الانجليزية: «هو حلم يقظة ينبعث نتيجة للرغبات أو الاتجاهات الشعورية أو اللاشعورية، انها العملية أو الملكة الخاصة بتكوين التمثيلات العقلية للأشياء التي ربما تكون موجودة فعلاً».
ويقسم الكتاب الخيال إلى عدة مراتب وأنواع هي:
«الخيال الاجتماعي»: وهو نوعية من العقل والتفكير تساعد الناس على استخدام المعلومات والتفسيرات لفهم ما يدور في العالم الخارجي.. «المتخيل الثقافي»: هو الخيال المرتكز على رمز ثقافية معينة، أو هي المتخيل المركزي في كل ثقافة.
أو هو الطريقة التي ترى من خلالها ثقافة ما العالم، وترى نفسها أيضا داخل العالم.. «الخيال السياسي»: هي قدرة القادة والمعارضة والفئات العاملة في المجتمعات على إيجاد الحلول أو البدائل لظروف طارئة ما.. «الخيال الجغرافي»: وهو يشير إلى وسائل تبتكر من خلالها المجتمعات استراتيجيات تصورية جديدة لفهم ذاتها وفهم الآخر.
وهو ما بدا فاعلا في علم الجغرافيا.. «الخيال التاريخي»: وهو الذي يعمل به المؤرخ، بعد أن يلجأ إلى الوثائق والمستندات التاريخية، فيضع نفسه موضع القادة أو الحكام أو حتى المتابعين من الشعوب.. «الخيال الاقتصادي»: وهو المتمثل في القدرة على طرح نظم ومشروعات وأفكار جديدة في مجال التجارة والصناعة والاقتصاد.
كما يوجد، «الخيال البدني الرياضي»: يلاحظ بعض اللاعبين قبل البدء في اللعاب إغماض العين، ويعلل الخبراء ذلك، بقيام اللاعب بتخيل الخطوات والعمليات البدنية التي سينفذها.. وأن هذا التمهيد العقلي هام جدا للانجاز بنجاح.. «الخيال الأدبي»: وهو أكثر الأنواع شيوعا، وهو تخيل الصور الأدبية والاستعارية والمجاز.. وغيرها.. «الخيال التشكيلي»: وهو أقرب لتصور الخيال الأدبي باستخدام الصورة..
في الفنون التصويرية.. «الخيال الموسيقى»: قال «اينشتين» عن «موتسارت» «كأنه يقطف الألحان من الهواء».. وآخرون قالوا بحالة أن ترد الجمل الموسيقية مغلفة باللحن إلى رأس الموسيقى.. وهو بفضل الخيال الموسيقى.. «الخيال الانفعالي»: أو هو الخيال العاطفي الذي الأساس في الإبداع الأدبي والفني.
فضلا عن، «خيال التفاصيل»: وهو الولع بالعمق، والتحليل للأبعاد البعيدة، وهو ما جعل «آلان روب جرييه» يرفض فكرة البعدية، أو الوجود غير المرئي.. «الخيال الفلسفي»: وهو التأمل والخيال، وإمعان التفكير، كلها معا وبها يتشكل الخيال الفلسفي.. ثم «الخيال التطبيقي» الذي وصف الخيال بأنه في جوهره تطبيقي، يقوم بالتجريب والتدريب والتفكير والتقييم دون خوف.. كما أن «الخيال التجريبي» هو ما يمهد الطريق لتجريب الأفكار وتحليها بداية.. ثم الخيال التجريدي، الذي يجرد الخبرات إلى أفكار.
يعرض المؤلف شاكر عبدالحميد لمفاهيم الخيال وأنواعه ودوره، بل والبحث في جذوره، ولا ننتهي من هذا العرض دون الإشارة إلى مقترح الكاتب إلى ضرورة أعمال وتفعيل «التربية بالخيال» بوضع الخيال في البرامج التربوية للطفل.
السيد نجم
المؤلف في سطور
يعمل د. شاكر عبدالحميد» كأستاذ لعلم النفس بأكاديمية الفنون بالقاهرة- شغل وظيفة عميد المعهد العالي للنقد الفني ـ متخصص في مجال الإبداع الفني والتذوق عند الطفل ـ له العديد من المؤلفات، منها أربعة في سلسلة «عالم المعرفة».
الكتاب: الخيال.. من الكهف إلى الواقع الافتراضي
تأليف: د. شاكر عبد الحميد
الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون الآداب الكويت 2009
الصفحات: 502صفحة
القطع: المتوسط
