خصص مهرجان دبي الدولي للشعر ليلة خاصة احتفاء بمئوية الشاعر التونسي المعروف أبو القاسم الشابي، وقد حضر هذه الليلة الجميلة التي أقيمت في بيت الشعر في منطقة الشندغة من تونس ابنه محمد وحفيده طارق كما كان في مقدمة الحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، حيث شهدت تلك الليلة فعاليات متنوعة نهلت من شعر الشابي الكبير والعميق.
لم تثقل محمد الشابي سنونه السبعون بل تسربل بالعزيمة لانها أعادته لمحطات منوعة كان لها الأثر الكبير على مسيرة والده الحياتي منها والمهني السياسي والأسري. التقيناه في بيت الكاتب محمد المطيري حيث حدثنا عن طفولته وعن أبيه الذي فارق عالمه وهو ابن السنتين وعشرة أشهر مازالت تسعفه ذاكرته على حضن أبيه وكيف كان يأخذه ليشتري له شيئا من حلوى ويستذكر كيف صحا من نومه فجر يوم على بكاء وعويل وأناس يعج بهم البيت ليسأل جدته ما الحاصل.
فتقول له ابو القاسم مات لم ادر ما معنى ذلك وما هو الموت إلى أن كبرت وتمعنت بقوله تعالى (انك ميت وانهم ميتون) فعرفت ان الموت هو الزوال، لذلك لا استطيع أن أقول لك أنني وعيت والدي تماما ولكنني عشته بروحه بتفاصيله بما حكوه لي عنه من ألم ومرض ولكن إلى يومنا هذا وأنا ابن السبعين ونيف ما زلت أعيش في كنفه وبين أوراقه وحروف كلامه التي جعلتني أربي أبنائي وأحفادي عليه.
أضاف الشابي الابن: عشت يتما جسديا ولكنني لم أنفصل عنه بكيته صغيرا لأنني لا أب لي بكيته كبيرا لأنه حملني مالا طاقة لي به ولكن بالنسبة لحنانه وتعامله مع أخي وأمي وجدتي والأسرة فأقول لك ما قالوه لي من أنه رجل وإنسان غلبت عليه شاعريته وانسانيته فتنزه عن كل ما هو مادي وعاش للأسرة متحملا مسؤولية كبيرة صلبا لانه هو بدوره عاش اليتم ولكنني أحمد الله أنني عشت اليوم لأرى عالمنا العربي يحتفل بمولد وليس بتأبين يحتفل ببث الروح وليس بخلاصها.
اذا الشعب يوما أراد الحياة هو البيت الشعري الذي أطلق شهرته هل وصلنا للحياة التي طلبها وتمناها ابو القاسم؟
مازال الطريق طويلا ولكن بوادر الحياة بدأت تأتي رويدا رويدا وسيكون على الشباب مسؤوليات جسام ويجب أن يكونوا مستعدين لها ولقيادة الحياة، لكن يجب علينا إعداد العدة لأمور الدنيا في الدفاع عن مكاسبنا وأن نكون متحدين، لأن ابا القاسم قال ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر، فإذا لم نعتمد على أنفسنا فلن تقوم لنا قائمة وسنبقى سكان جحور وهذا مالا يرضاه حر ينطق بالضاد.
ما رأيك بالإرث الثقافي وكيف تتعامل مع قضية كونك ابنا للشاعر الشابي؟
أنا لا أقول أنني بعيد عن الشعر ولكنني لست شاعرا، هناك من يقول إن الشابي سد الأفق، وأنا اقول لهم هذا كلام غريب ومن أراد ان يجلي الأفق عليه بالعمل والدراسة والإتيان بشعر جيد حتى نزيل عقدة الشابي، وأنا لا أبالغ ان قلت لك انه إرث ثقيل ولكن هناك إرادة أن يكون هذا الاسم علما في أعلى رتبة وذلك قمة المسؤولية ولهذا يجب علينا أن نكون في مستوى هذا التحدي بأن نبقي اسم الشابي لماعا وبعيدا عن كل المحاولات التنقيص رغم ان شاعرنا ليس في حاجة لمن يدافع عنه فقد دافع عن نفسه وشعره بقوله (سأعيش رغم الداء) وهاهو يعيش بيننا روحا واسما وشعرا ومواقف.
الاحتفالية او الحدث الذي أطلقه مهرجان دبي بمئوية الشابي كيف ترونه؟
ما نراه من صحوة في دولنا التي بدأت تحيي ذكرى ولادة الشاعر وهذا بحد ذاته تغيير فكفانا موتا ويجب أن نحتفل بالحياة التي تغنى بها الشاعر لا بالموت فنحن بذلك نستحضره وغيره من عظمائنا، هذا الاحتفال بوالدي بالخليج وبالأخص بدبي هو شيء كبير ويسرني وكل عربي وهو رسالة حضارية لان الدول التي لا تكرم علماءها ورجال فكرها لا تستحق الحياة كما يقول المثل الفرنسي القديم.
فاليوم أنا في بلدي وناسي وهذه الأيام الخالدة ستبقى في ذاكرتي ما دمت حيا فمن أمسية الشابي إلى أمسية محمود درويش والختام كان مسكا وهذا الاحتفال يعتبر بادرة كبيرة وقيمة وبث الروح في الجسد العربي المحتضر وأترحم على شهدائنا من اصغر طفل لاكبر شيخ ولا أنسى الشهيد محمود درويش الذي ما زلت مقتنعا أنه مات مسموما ليسكتوا صوتا بنبرته أقوى من هدير دباباتهم وطائراتهم.
ما رأيك بما تقوم به دبي لدعم الشعر وما رأيكم بهذا التجمع الإبداعي الهائل؟
ان ما يقوم به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (رعاه الله) هو عمل جبار شجاع، لأن جمع الف شاعر عربي وأجنبي في منطقة عربية هو التحدي الكبير وسيكون لها الأثر الطيب على مر السنين، لان صاحب السمو الشيخ محمد معروف بشجاعته وإخلاصه لمسؤولياته وشعبه ويداه النديتان التي قدم فيهما المساعدة للدول العربية والغير عربية دليل أن الضمير العربي مازال موجودا والحلم العربي ايضا بقائد يوحد الامة تجسد الان في شخص هذا الرجل، وسموه حساس ونبيل وشاعر وكل إنسان شاعر له إحساس رقيق يشعر من خلاله بمآسي الناس فيكون أقرب لهم من أنفسهم.
قلت أنك في حالة انسجام تام لما شكله حدث تكريم الشابي في دبي ألم تتصور مثلا أن والدكم موجود في ضمير كل عربي؟
أنا لا استكثر هذا ولا استغربه ايضا فدول الخليج عامة دول القومية والعروبة والمواقف البناءة وهذا التكريم الذي عشناه يعيد التواصل بين الشرق والغرب وسيزداد قوة وستكون مردوداته الايجابية جسرا للعبور ان شاء الله وأنا لا استغرب على خليجنا عامة ودبي خاصة هذا الحدث بل أشعر بالاعتزاز لأن الأيادي العربية تتجاوز حدودها المصطنعة وتتلمس الآخر.
ماذا تقول لعالمنا العربي وبماذا خرجت من دبي؟
أنا متفائل لمستقبل هذا العالم لأننا اجتزنا مرحلة صعبة، ووقت اليأس ووقت الشك، فالمستقبل للشباب لكي يعيدوا أمجادنا وهذا أكبر تحد للمستقبل بأن نرجع العصر العباسي الزاهر، أما بماذا خرجت من دبي فأقول إن دبي سكنت في روحي.
عبد المنعم الشديدي
