من مدينة توزر، في منطقة الجريد الجميلة حيث الوهاد والمسارب وواحات النخيل وشلالات المياه تشق الصحراء التونسية وتمنحها سحراً فريداً، من عمق هذه العروس المتوسطية التي تسمى تونس الخضراء اعلن عام 2009 موسما احتفاليا بشاعر الإرادة والحياة أبوالقاسم ألشابي في ذكرى مئويته، وقد انطلقت الاحتفالات منذ الرابع عشر من شهر فبراير الماضي ( يوم ميلاد الشابي عام 1909) لتنتهي مع تاريخ وفاته الموافق للعاشر من شهر أكتوبر عام 1934.

تعمل الاحتفالية بالشاعر على إبلاغ ميراث ألشابي التجديدي والحداثي إلى الجيل الحاضر وذلك من خلال تنظيم معرض وثائقي للشابي ضم مخطوطاته ومؤلفاته في طبعاته المختلفة وكتبا مفردة عنه ومنشوراته في عدة جرائد ومجلات منذ عام 1927 بالإضافة لخريطة تنقلاته وشجرة عائلته ومجموعة من صوره الفوتوغرافية وتسجيلات نادرة مع معاصريه.

برنامج الاحتفالية، ندوات ومنشورات وأمسيات شعرية، وجائزتين في الشعر والنقد ويبدو برنامج الاحتفالية بمئوية الشابي برنامجا ثريا وهواحتفالية تحت إشراف وزارة الثقافة والمحافظة على التراث التونسية، فمن المنتظر أن يتم إصدار كتاب الخيال الشعري عند العربفي طباعة جديدة وانجاز مكتبة الشابي ببيت الشعر وتنظيم معرض تشكيلي ضخم مستوحى من مدونة ألشابي الشعرية.

وقد حدد شهر ماي والقادم موعد ا لإحياء أمسية شعرية عربية تزينها عدة أسماء شعرية في الوطن العربي وتقرر أن عرض افتتاح مهرجان قرطاج في دورته المقبلة سيكون أوبرا ضخمة عن أبي القاسم ألشابي.

ولن تغيب المنشورات الجديدة عن احتفالية الشابي حيث سيتم نشر مجلد المداد الحي والذي سيتضمن رسائل الشابي ومخطوطاته بالإضافة إلى انه سيتم نشر مختارات من شعر الشابي مترجمة إلى الفرنسية والانكليزية والاسبانية وسيتم انجاز قرص مضغوط يحمل ديوان أغاني الحياة، وقد أعلن وزير الثقافة التونسي انه قد تم بعث جائزتين في الشعر والنقد تحملان اسم ألشابي.

تكريم الشابي في دبي

مهرجان دبي الدولي للشعر الذي أقام دورته الاولى منتصف الشهر الماضي أحتفى بالشابي وخصص له السهرة الشابية كمساحة لصوت الإرادة والحياة تحت شعار ألف شاعر، لغة واحدة احتفاء بمئوية شاعر واحد بصيغة الجمع، شارك فيها حشد كبير من الشعراء والادباء كان في مقدمتهم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.

كما حضر السهرة نجل الشابي محمد الصادق الشابي والمطربة التونسية علياء بلعيد التي أنشدت بصوتها الجميل أشعار الشابي، والشاعر التونسي محمد المرغني الذي قدم مجموعة من قصائد الشابي، حيث كانت من أجمل وأبهى الامسيات الشعرية التي أقيمت في فعاليات مهرجان دبي الدولي للشعر.

ومضة بين الحلم والامل

خمسة وعشرون عاما هي بحساب السنين عمر الشابي وكل حياته، ولد في 24 مارس 1909 في قرية الشابية بمدينة توزرفي منطقة الجريد في عمق الجنوب التونسي، في تلك المدينة عرف الشابي أولى معاني الحب حين سحرته أشجار النخيل الشامخة تعانق السماء الصافية ومن بينهما تسطعه شمس الجنوب الحارقة تلمع من بين جدائل النخيل ويملأ سمعه خرير المياه والعيون العذبة الرقراقة.

وحين يغادر الشابي هذه المنطقة تعانقه الصحراء الممتدة ورمالها الساحرة أو شط الجريد الهادئ يغتال الصمت والسكون ويبعثه في لج النفس المتأملة والعين الشاهدة على سحر لم يفك طلاسمه إلا شاعرنا أبوالقاسم الشابي في قصيد الجنة الضائعة.

درس الشابي في الكتاب وهو في سن الخامسة حيث حفظ القرآن بأكمله قبل بلوغ سن التاسعة وعلمه والده أصول اللغة العربية وبعض العلوم وفي عام 1921 التحق ألشابي بالزيتونة في تونس العاصمة ليدرس العلوم الدينية واللغوية.

وقد كانت هذه المرحلة نقطة تحول في حياة الشابي، حيث اطلع على أدب المهجريين (جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة، وإيليا أب وماضي) حتى تشبعت نفسه بصور الصوفية الشعرية التي تسم أدب المهجر. كما اهتم الشابي بالأدب القديم والأدب الغربي وخاصة كتابات لامارتين وجوته.

والتحق الشابي بعد تخرجه من المدرسة الزيتونية بكلية الحقوق التونسية ليتخرج عام 1930 وقد بذل الشابي أكثر نشاطه الأدبي والثقافي خلال الفترة الأخيرة من دراسته ولكن وفاة والده عام 1929 اثر فيه والم به مرض تضخم القلب ونصحه الأطباء بعدم الكتابة والعيش في المناطق الجبلية والريفية فتنقل بين مدينته توزر وبعض المناطق الجبلية في تونس حتيتحطمت قيثارة الإنسانية وتلاشت أنغام الحب والجمال وألحان السحر والخيال كما قيل في تأبينه يوم 9 اكتوبر1934.

ولا تستمد أثار الشابي قيمتها من كثرتها بل من تجاوزها حدود الرؤى والخواطر الذاتية لتشمل مشروعا جماليا كبيرا متضخما بهموم فكرية وفلسفية ووجودية وفي رصيد الشابي ديوان وحيد «اغاني الحياة» التي تشهد على عبقرية الشابي ونبوغه وكتاب الخيال الشعري عند العرب. ورسائل الشابي التي كان يتبادلها مع كثير من الأدباء العرب وبعض الروايات التي بقيت مخطوطات ولا يعرف مصيرها.

بسمة بوزكري