فاجأ الناشر والصحافي رياض نجيب الريس مجلس أمناء «الجائزة العالمية للرواية العربية» (البوكر العربية)، بتقديم استقالته خلال اجتماع مجلس الأمناء الذي انعقد في أبوظبي يوم 17 مارس 2009، بعد الإعلان عن نتائج «البوكر» للعام 2008، واسم الفائز الرئيسي والفائزين الآخرين في القائمة القصيرة للجائزة. وبرر استقالته في بيان أصدره قبيل عودته إلى بيروت قال فيه إن «أعباءه المهنية كناشر وصحافي لم تعد توفر له الوقت الكافي لملاحقة أمور الجائزة».
إلا أن هذا التبرير لم يكن مقنعا، وكان واضحا أن في الكواليس تفاصيل مسكوت عنها وتستحق الكشف، وفي هذا الحوار مع رياض الريس الذي جرى في مكتبه في بيروت تحدث بصراحة ودون أي تحفظ عن الأسباب التي دفعته للانسحاب من الجائز العالمية للرواية العربية (بوكر) بعد ثلاث سنوات على تأسيسها ودورتين على إطلاقها، والتي أريد منها أن تكون على غرار جائزة البوكر البريطانية، بعد نحو عقدين من نجاحها وربما أكثر، مما أدى إلى انبثاق بوكر الروسية وبوكر الأفريقية عنها، ومن ثم بوكر العربية إلا أن رياح الواقع العربي بحسب شهادة رياض الريس لم تأت كما تشتهي الأماني بتعريب نموذج عالمي وتطبيق القواعد الإنجليزية، «وسرعان ما انزلقت بوكر في نسختها العربية إلى مستنقع الثقافة، وابتليت بما أصابه من استئثار وسوء تنظيم وشللية ومحسوبيات»:
ما مدى صحة أن استقالتك كانت احتجاجا على فوز رواية (عزازيل) للمصري يوسف زيدان فيما كانت التوقعات تتجه نحو رواية (المترجم الخائن) للسوري فواز حداد الصادرة عن شركة رياض الريس للكتب والنشر، خاصة وأن استقالتك جاءت إثر إعلان النتيجة؟ ـ ليس لدي اعتراض على قرار لجنة التحكيم واستقالتي لم تكن احتجاجاً على النتيجة، لي رأي في النتيجة، لكنني لست معترضاً عليها وعندما أعلنت النتيجة لم أكن قد قرأت الرواية، والآن بعد أن قرأتها أعلن أن من بين الروايات الست التي وصلت للقائمة القصيرة، هناك على الأقل روايتان تستحقان الجائزة أكثر من رواية عزازيل.
لنعد إلى البداية.. كيف بدأت قصتك مع بوكر العربية؟
عندما تم اقتراح إنشاء بوكر العربية عام 2006، إثر موافقة دولة الإمارات العربية على تمويلها، بدأت خطوات التأسيس بتشكيل مجلس أمناء من 13 عضوا ـ ستة إنجليز وستة عرب، ورئيس المجلس الذي هو رئيس البوكر الانجليزية ـ بالإضافة إلى سكرتيرة إدارية تتولى متابعة الأمور التنظيمية، وهي الوحيدة الذي تتقاضى راتباً لقاء عملها في الجائزة.
دعتني اللجنة التنظيمية التحضيرية الإنجليزية، للانضمام إلى مجلس الأمناء، وقالوا لي إن اختيارهم لي جاء لثلاثة أسباب:
أولاً ؛ لأني معروف في ميدان الثقافة والصحافة معاً.
ثانياً؛ وهو الأهم، أن لي تجربة في ميدان الجوائز العربية، فقد سبق وأطلقت جائزتين ثقافيتين عربيتين مستقلتين، وهما جائزة (يوسف الخال) للشعر وجائزة (الناقد) للرواية، وخرَّجت هاتان الجائزتان خلال أربع سنوات ثلاثين شاعراً وروائياً عربياً من الأسماء المعروفة اليوم في العالم العربي.
ثالثاً ؛ لأنني ناشر، والجائزة تعتمد بالدرجة الأولى على تعاون الناشرين. بدوري تحمست للفكرة حماسا كبيرا.
هل كان حماسك نابعا من طباعك الشخصية إذ نعرفك متحمسا دائما لكل جديد أم أن هناك أسباباً أخرى؟
ـ تحمست لأني وجدت في ذلك إمكانية توفير فرصة للاستفادة من التجربة الانجليزية، وتقديم نموذج عربي بشروط عالمية من حيث الاحتراف والشفافية، تساعد على دخول الرواية العربية في المشهد العالمي، بعيداً عن المحسوبية والشللية الثقافية وقبضة رقابات الأنظمة العربية، بما يعطيها المصداقية ويمنحها الثقة.
وما الذي جرى حتى تغير موقفك؟
ـ بعد الانخراط في اجتماعات مجلس الأمناء الذي كان يعقد في كل دورة، ثلاث مرات في لندن ومرة في أبوظبي، تبين أن هناك خللاً كبيراً في تحديد المهام وطريقة إدارة العمل، فالأمناء لا يستشارون في كثير من المسائل الإدارية، وعدا عن اقتراحاتهم حول تشكيل لجان تحكيم تتبدل كل دورة، ليس لهم تأثير يذكر في اتخاذ القرارات، مثلا فوجئت بتشكيل لجنة التحكيم في الدورة الأولى، ووجدت أسماء مع احترامي لها أن تجربتهم لا تؤهلهم لإعطاء أحكام في الرواية، وكان لي اعتراض عليهم. ومثال آخر أنه لم يتم مراعاة التوزيع الجغرافي للمحكمين والذي من المفترض ألا يركز على بلد دون آخر، والأهم هو عدم استشارة الأمناء جديا عند اتخاذ القرار.
ماذا تعني بأنهم لا يستشارون جديا؟
مثلا يتم قبول اقتراحاتهم في البداية فقط، دون أن يعمل بها ولا تخضع للمناقشة المستفيضة. حيث لا تأثير يذكر لمجلس الأمناء، في اتخاذ القرار، كما أن مجلس الأمناء لا يعلم بما يجري في لجنة التحكيم، حيث لا ترفع اللجنة تقارير عن قراءاتها للروايات ولا أسباب اختيار الروايات المرشحة في القائمتين الطويلة والقصيرة ومن ثم مبررات ترجيح الرواية الفائزة، بل والأهم من ذلك أنه لا يتم وضع قوائم بأسماء الروايات التي قبلت للدخول في المسابقة، ولا كيفية توزيعها على الحكام بل يُكتفى بإرسال قوائم بأعداد الروايات المقبولة وتوزعها الجغرافي، مثلاً عشر من سوريا خمسين من مصر وهكذا...
هذه الآليات ألغت شرط الشفافية. وهنا أشير إلى أني فوجئت باستبعاد رواية رشيد الضعيف (معبد في بغداد) من القبول في مسابقة الدورة الأولى، بزعم عدم استيفائها شرط الزمن وذلك دون إبلاغ مجلس الأمناء، مع أنني كناشر رشحت تلك الرواية، كنت متنبهاً لشرط الزمن الذي سمح في الدورة الأولى أن تكون الروايات صادرة خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
ـ هل اعترضت على ذلك؟
لا لم أشأ أن أثير قضية في حينها واعتبرت ما جرى مجرد تعثر قد يحدث في البداية، آملاً ألا تتكرر مثل هذه الهفوات لاحقاً. إلا أن الأمور جرت بالاتجاه المعاكس تماماً، لأن إهمال شرط الشفافية أدى إلى وجود خلل ضاعفه عدم دراية الأمناء الإنجليز بكواليس الثقافة العربية والشللية والطائفية وطبيعة التدخلات السياسية التي تلعب دوراً في تقرير الواقع الثقافي.
وبدل تدخل الجانب العربي في مجلس الأمناء لتصحيح الوضع، أبدى الجانب العربي تقاعسا وعدم جدية في معالجته، فحصلت فجوة تمت تغطيتها بالاعتماد على السكرتيرة الإدارية، التي تزايدت صلاحيتها مع مرور الوقت إلى درجة باتت فيها جائزة البوكر مقترنة بالاسم الشخصي للسكرتيرة الإدارية.
ـ هل هذا ما دفعك للاستقالة وأين الأعضاء الآخرين في مجلس الأمناء من ذلك ألم يكن هناك فرصة لمناقشة تلك الأخطاء ومعالجتها؟
بعد ثلاث سنوات وجدت أن كل الأمراض التي ترزح تحت وطأتها الثقافة العربية قد انتقلت إلى الجائزة، ولا أمل في إصلاح الأمور لأن الأعضاء العرب في مجلس الأمناء هم الطرف الأضعف والمتساهل المكتفي بالفرجة، بينما الأعضاء الانجليز يحاولون وبصدق مشكورين تطبيق القواعد الإنجليزية، إلا أن وجود نقص في فهمهم للواقع العربي بالإضافة إلى زيادة الاعتماد على السكرتيرة الإدارية وتوسيع صلاحياتها، بشكل بات يوحي بأنها تمثل بشخصها الجائزة، حتى أنها في الاجتماع الأخير والذي من المفترض أن يكون ختاماً للدورة الثانية وتحضيرا للدورة الثالثة، تغيبت عن الاجتماع لارتباطها بلقاء تلفزيوني!!
الأمر الذي اعتبرته استهتاراً بمجلس الأمناء وبرئيسه الذي حرص على حضور الاجتماع رغم ارتباطه بموعد سفر، ولدى إثارة موضوع تغيب السكرتيرة عن الاجتماع والتساؤل عما إذا كان الظهور في التلفزيون أهم من الاجتماع الذي سيناقش الأسماء المقترحة لتشكيل لجنة التحكيم للدورة الثالثة، ما اضطرهم إلى تأجيل ذلك بسبب وجود قوائم الترشيحات معها، دافع اثنان من الأعضاء الانجليز عن تغيبها واعتبرا أن ظهورها في التلفزيون أهم من حضور الاجتماع، لأنه يعد دعاية وترويجاً للجائزة!! مع أن الإعلام العربي والإماراتي على وجه الخصوص لم يقصر طيلة الأشهر الثلاثة الأخيرة في الدعاية المكثفة للجائزة.
هل هذه المسألة فقط كانت موضع خلاف في اجتماع مجلس الأمناء الأخير أم أن هناك أمورا أخرى؟
كانت هناك أمور أخرى وتفاصيل كثيرة أثيرت في الاجتماع الأخير تحفظ عليها الأعضاء العرب منها على سبيل المثال عدم استشارة مجلس الأمناء في موضوع إعداد أفلام وثائقية وبروشورات ترويجية عن المرشحين للجائزة، من حيث الميزانية التي رصدت لهذه الأفلام ومن تولى أمر إنتاجها، ولم يتم اطلاعنا على كيفية إدارة تنظيم الاحتفالية والاستضافة وميزانيتها، وتبين أن هناك من استبعد من الصحافيين والمثقفين، وغالبية من دعي كان لاعتبارات خاصة، منها مراعاة العلاقات الشخصية للسكرتيرة، وليس للاعتبارات المهنية.
واستطاعت بكل كفاءة أن تنقل وبأمانة الشللية اللبنانية إلى الجائزة العالمية للرواية العربية، كما فوجئ الأمناء باختيار كاتب هندي يكتب بالانجليزية غير معروف عربياً، ومتوسط القيمة أدبياً، سبق ونال جائزة أسوأ رواية، ليكون خطيب الحفل... !! ترى هل عالمية الرواية العربية تحتاج لكاتب غير معروف ليكون خطيب الحفل؟! وما الذي يدعونا لهذه الفرنَجة؟!
ألم تجر مناقشة هذه الأمور في مجلس الأمناء في الاجتماعات السابقة أثناء التحضير للاحتفالية؟
كل هذه الأمور كان يجب مناقشتها في اجتماعات لندن لكن ذلك لم يحصل، وعندما ذهبنا إلى أبوظبي وجدنا أن كل شيء كان جاهزاً بما يعبر أفضل تعبير عن أن مجلس الأمناء كان مجرد «شاهد ما شفش حاجة».
لماذا الاستقالة؟ قبل عام واحد من انتهاء المدة المحددة لأعضاء مجلس الأمناء وهي ثلاث سنوات، مع أنك وكما يتبين من كلامك لم تكن شاهدا صامتا أم هي سرعة نفاد الصبر التي تتميز بها؟
ـ بالعكس صبري لم ينفد بسرعة وإلا ما بقيت ثلاث سنوات، لكن عندما تفشل الحركة التصحيحية من الداخل لا بد من القيام بانقلاب، وهذا ما فعلته. قدمت استقالتي بعدما بات من الصعب أن أؤدي دوراً مفيداَ لهذه الجائزة، ومن الصعب علي كعضو في مجلس الأمناء أن أتبنى ما يصدر من قرارات لجنة التحكيم، وأن أدافع عنها من الآن فصاعداً، واخترت النجاة بنفسي من عمل الأفضل ألا يرتبط باسمي.
أعربت في بيان استقالتك عن أملك بأن تتيح لك الاستقالة من مجلس الأمناء، فرصة لمتابعة تطور الجائزة عن بعد، باتخاذ موقف نقدي حر منها، وهاأنت الآن بعيدا عنها ماذا تقول؟
ـ أدعو إلى تطبيق قواعد بوكر الإنجليزية على بوكر العربية التي للأسف لم تطبق. وألفت إلى أن استمرار إهمال مجلس الأمناء وعدم إطلاعه على حقائق الأمور وما يجري في كواليس لجنة التحكيم وكواليس الإدارة، سيؤدي بالجائزة لتكون كغيرها من الجوائز العربية، وخاضعة للشروط المَرَضية ذاتها: التوازنات السياسية، والحصص الجغرافية والشلل الثقافية والمحسوبيات، وهيمنة بلد معين على الجائزة... وآمل أن يتم تدارك ما وقعت فيه.
سعاد جروس


