دلالات كثيرة يحملها اسم «ميدان التحرير» ومعان عاشها هذا المكان، مفصحا عن عصور ولت، ومتنبئاً بمستقبل غائم، حتى بات كل جزء في هذا الميدان العريق ـ الذي يعتبر واحدا من أهم ميادين القاهرة سياسيا، وتاريخيا واقتصاديا ـ بمثابة شريان حيوي من شرايين القلب، وأصبح الميدان بمثابة القلب من الجسد، يتفرع من شوارع تربط أهم مناطق القاهرة الحديثة، ويعتبر مزارا لكل من يأتي إلى القاهرة، شاء أم أبى..
فزائر القاهرة لابد أن يجلس في أحد مقاهي الميدان العريقة، والتي كان يجلس عليها الأدباء والمفكرون والسياسيون وغيرهم. أما إذا لم تجلس على إحدى هذه المقاهي فلابد أن تمر ويمر الزائر بأحد شوارع الميدان الفسيحة ذات الطراز الأوروبي وصولاً إلى المتحف المصري أو إحدى الوزارات الكثيرة بشارع قصر العيني، أو مبنى جامعة الدول العربية، أو ميدان عبدالمنعم رياض، أو إحدى شركات السياحة والطيران، أو المطاعم الغربية والشرقية التي تحتل نواحي عديدة من شوارع الميدان.. هذا بجانب أكبر مجمع للخدمات في مصر، وهو مجمع التحرير الذي يحتوي على أكثر من 1400 حجرة بارتفاع 14 طابقا، وعلى مساحة 450 مترا مربعا، ويعمل به حوالي 30 ألف موظف، واستخدم في بنائه 1500 طن حديد، و300 طن أسمنت، وحوالي 15 مليون طوبة، واشترك في البناء حوالي 40 ألف شخص من مختلف التخصصات، ويأخذ شكلا قوسي يستقبل في وجهه محطة مترو الأنفاق «السادات» والتي يتردد عليها أكثر من نصف مليون راكب يوميًا..
وعلى شمال المبنى يقع مسجد عمر مكرم البطل المصري الراحل وأحد قادة المقاومة المصرية ضد الاحتلال الإنجليزي، كما يحتضن مبنى المجمع تمثال الزعيم عمر مكرم على قاعدة مرتفعة توحي بالعراقة والرفعة، ويحكي صاحب التمثال تاريخ مصر في صمت دون كلام. ليس هذا فحسب بل إن باطن الأرض في ميدان التحرير تحوي الكثير بجانب محطة المترو، فيها أكبر جراج للسيارات تحت الأرض حيث كانت عملية الباركين Barken تسبب زحاما كبيرا، وتشويها لصورة الميدان في الثمانينات، وفوق الأرض يجاور مسجد عمر مكرم وفي مواجهة مبنى جامعة الدول مبنى وزارة الخارجية القديم، والذي كان أحد قصور أسرة محمد على قبل ثورة 23 يوليو. ويحرس المنفذ الرئيسي للميدان على كوبري قصر النيل أسدان تم تصنيعهما في أوروبا يتجهان بأنظارهما إلى شارع قصر النيل، وقد كانت تتوسط الميدان في السبعينات قاعدة تمثال كبيرة أنشئت خصيصا ليوضع عليها تمثال للخديوي إسماعيل يتجه بنظره إلى تمثال آخر كانت قد وضعت قاعدته في ميدان عابدين، وقد أجريت الدراسات بحيث يلتقي التمثالان بنظراتهما، وقد تم تنفيذ التمثالين في أوروبا، وتم تحميلهما إلى القاهرة وقبل وصولهما إلى ميناء الإسكندرية قامت الثورة في 23 يوليو العام 1952، وأسدل الستار على مرحلة من مراحل تاريخ مصر الطويل.
يوم في الميدان
الحركة اليومية في الميدان لا تنقطع طوال ال24 ساعة إلا أنها تزداد في أوقات معينة لتصل إلى حد الزحام الشديد وقت خروج الموظفين حيث تتجه إليه السيارات من جميع المنافذ، ويتزاحم الناس في جميع الاتجاهات فيما يشبه الملحمة.
ورغم هذا الزحام فإنك لو شاهدت هذا المنظر من مكان مرتفع في أحد طوابق المجمع مثلاً فإنه يثير لديك الإعجاب حيث يجسد هذا التلاحم قدرة الشعب المصري على التعايش والتوافق تحت كل الظروف في رسالة إلى كل من يريد بث روح الطائفية بين أبناء مصر فلا تعرف هوية من يسير في هذا الميدان تتلاشى فيه كل العلامات سوى أنه مصري يتجه إلى منزله أو عمله أو لقضاء مصلحة.
ورغم اتساع الميدان والذي يعد من أكبر الميادين إلا أنه يعد من أهم الأماكن أيضاً التي يجلس فيها المصريون لقضاء بعض أوقاتهم مع أطفالهم وزوجاتهم، وكذلك جلسات العشاق، فالمسطحات الخضراء والإضاءة الليلية والجدران والأرضيات الرخامية ذات الألوان الهادئة التي تأخذ الأذهان للتفكير في الحبيبات اللامعة التي تتلألأ منها مع تداخل الألوان في منظر شاعري يجعلك تجلس متناسيًا متاعب الحياة وهمومها، رغم أن الزحام لا يبتعد عنك سوى أمتار قليلة، ورغم عدم وجود بائعين نظاميين في هذا الميدان إلا أنه لا يخلو من بعض الباعة الذين يقومون بعمل المشروبات الساخنة في الشتاء والباردة في الصيف..
وتشهد الساعات المتأخرة من الليل وقوف العديد من عربات الحنطور التي تنقل السائحين في رحلات داخلية في شوارع الميدان، فكل من زار الميدان أثنى عليه فرحلات السياح تمر به في الكثير من الأوقات ذهابا إلى المتحف المصري والذي يعد من أقدم المتاحف في المنطقة ويحتوي على نسبة كبيرة جدًا من الآثار المصرية على مختلف العصور بجانب طابعه ومبانيه التي صممت بحرفية عالية لتتوافق مع كل جزء في الميدان.
وبجانب المتحف نجد ميدان عبدالمنعم رياض والذي يبدأ بتمثال يرتفع عن الأرض بقاعدة تتجاوز ال15 مترًا، ويقف فوقها تمثال كبير لأحد رموز القيادة والتضحية في حرب الاستنزاف التي انتهت بنصر أكتوبر وهو الفريق عبدالمنعم رياض الذي استشهد في حرب الاستنزاف عندما كان يتفقد الخطوط الأمامية للجيش المصري، والتمثال يحمل في يده نظارة ميدان، ويتوجه ناحية ميدان التحرير وميدان رمسيس، وهما أهم ميدانين في مصر، نظرا لأنهما يمثلان عراقة الماضي، وحداثة الحاضر، وتطور المستقبل.
نبذة تاريخية
يقول المؤرخ المصري على مبارك: كانت الأوامر السنية العليا قد صدرت بتحويل الأراضي الزراعية المملوكة للخديوي إسماعيل في تلك المنطقة، والتي يعلوها السباخ، وترتع فوقها الحيوانات، والبرك التي تغمر مياهها إلى حي راقٍ.
وعلى الفور جرى العمل حيث قام المهندس الفرنسي باريل دي شامب بوضع تخطيط منطقة الإسماعيلية، وتم تقسيم الشوارع وتخطيطها، ومد أنابيب المياه وأعمدة الإنارة، وإنشاء مبانٍ جديدة راقية، وكان الشرط بألا تقل تكلفة المبنى عن1500 جنيه إسترليني، وبتصميمات هندسية محددة تسمح بإقامة نمط جمالي متميز ورائع حتى أصبحت المنطقة من أبهج مناطق القاهرة، وأكثرها عمرانا وسكنها الأمراء والأغنياء.
وتوسط تلك المنطقة التي تعرف الآن بجاردن سيتي (الإسماعيلية سابقا) ميدانا سمي باسم المنطقة (ميدان الإسماعيلية) نسبه إلى الخديوي إسماعيل الذي أقام المنطقة على أرضه الخاصة، وكان طول الميدان يقرب من 2500 متر، وعرضه لا يقل عن1000 متر، ومساحة لا تزيد على400 فدان، وتتفرع منه أهم الشوارع الرئيسية حتى الآن.
كما تم إنشاء كوبري قصر النيل ليصل الغرب بالشرق على قواعد خراسانية متينة (مازالت متينة حتى اليوم) ليفتتح للمرور العام 1872 بتكلفة 114 ألف جنيه وتزينه أسوده الشهيرة التي بلغت تكاليف تصنيعها في أوروبا ونقلها منها حوالي8425 جنيها. ومن الطريف أنه تم فرض رسوم على مرور البشر والدواب على الكوبري وقد سمي الكوبري نسبة إلى قصر النيل الذي كان قائما آنذاك، وكان محمد علي باشا قد بناه لابنتيه زينب وهانم.
ولقصر النيل القديم حكايات طويلة فقد هدم ليكون مقرا لثكنات الجيش المصري وهي التي شكلت طلائع الثورة العرابية التي قادها عرابي العام1882 ضد القصر، مطالبا بالحرية لمصر، وتأسيس نظام دستوري قوي، وكانت جملته الشهيرة: لقد خلقنا الله أحرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا، وفشلت الثورة بسبب الخونة ونجحت قوات الإنجليز في احتلال مصر، وكان من أوائل ما فعلته أن احتلت الميدان، وحولت ثكنات الجيش المصري إلى ثكنات خاصة بها.
فيما عرف بثكنات الإنجليز والتي جثمت على الصدور طيلة 70 عاما؛ لذلك كان من الطبيعي أن يتم هدم هذه الثكنات بعد جلاء الإنجليز ليقام مكانها مقر الجامعة العربية الحالي، وفندق الهيلتون. في مدخل الميدان المتحف المصري والذي أصبح أحد أهم متاحف العالم كله، فقد أنشئ العام1900، وافتتح في15 نوفمبر1901، واحتفلت مصر كلها أخيرا بمرور قرن كامل على إنشائه.
تاريخ نضالي
شهد الميدان أول مظاهرة تطالب بسقوط الملك فاروق العام 1946 في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فضلا عن التظاهرات التي شهدها الميدان بسبب إعلان الأحكام العرفية في الحرب العالمية الثانية، وكان الميدان قد شهد أعظم مظاهراته في ثورة 1919، كما شهد قبلها مظاهرة شديدة بعد إلغاء معاهدة 1936، وأعنف المظاهرات المؤيدة لثورة يوليو، ثم بعدها منعت الثورة المظاهرات خاصة في هذا الميدان الحيوي، ورغم ذلك شهد الميدان مظاهرات كثيرة رغم «الحظر» منها مظاهرات الطلبة بعد هزيمة 1967.
والتي طالبت بمعرفة الحقائق التي أدت إلى الهزيمة، ومن أجل تحرير سيناء، والتي كتب عنها أمل دنقل رائعته الشهيرة أغنية الكعكة الحجرية: كما شهد الميدان مظاهرات الفرح بنصر أكتوبر العظيم، لكن بعد ذلك بأربعة أعوام شهد أكبر وأهم مظاهرات مصر وهي مظاهرات 18 و19 يناير1977 التي سماها الرئيس الراحل أنور السادات «انتفاضة الحرامية»، بينما سماها التاريخ انتفاضة الجوع.
وقد أثبتت هذه المظاهرات قدرة الشعب المصري على التظاهر، وعدم صدق مقولة إنه شعب مستسلم، بعد ذلك أخذت المظاهرات بُعدا آخر بارتباطها بالأحداث الخارجية، فشهد ميدان التحرير مظاهرات دعم للانتفاضة الفلسطينية التي استحوذت على أهم المظاهرات في السنوات الأخيرة، وساعد على ذلك قرب مقر السفارة الأميركية من الميدان.
فكان من الطبيعي أن تتوجه المظاهرات الاحتجاجية بسبب القضية الفلسطينية ضدها، ورغم زخم الأحداث التي مرت بهذا الميدان العريق إلا أنه بعد كل أزمة يعود لممارسة حياته الطبيعية من زحام السيارات وتلاصق المارة وتفتح المحلات والمقاهي أبوابها ليعود إليها روادها الذين اعتادوا الجلوس في تلك الأماكن منذ عقود طويلة.
شعاري الصباح
قصيدة الشاعر الراحل أمل دنقل التي بدأ فيها شاعر مصر قصيدته وهي بعنوان أغنية «الكعكة الحجرية» التي غناها عن الطلبة الذين كانوا قد تدافعوا إلى ميدان التحرير العام 1972 متظاهرين، مطالبين بتحرير سيناء لتصبح القصيدة واحدة من أشهر قصائده، خاصة أنها كانت أول قصيدة تتحدث عن ميدان التحرير الذي شهد الانتفاضات والمظاهرات من فجر التاريخ المصري، ويصبح أشهر ميادين مصر، الذي ارتبط دائما بالحركة الوطنية، وقدرته على استقبال كل التيارات الوطنية في مصر، رغم أن بدايته ارتبطت بالطبقات السلطوية. حيث جاء فيها:
أشهروا الأسلحة
سقط الموت.. وانفرط القلب كالمسبحة
والدم انساب فوق الوشاح
المنازل أضرحة
والزنازن أضرحة
والمدي أضرحة
فارفعوا الأسلحة
واتبعوني
أنا ندم الغد والبارحة
رايتي عظمتان وجمجمة
وشعاري: الصباح
خدمة: وكالة (دار الإعلام العربية)


