هل انتصرت قصيدة النثر خلال نصف قرن؟
هل استطاع فعلا هذا النموذج الشعري أن يفرض حضوره بتلك القوة التي تحمل صفة شعر؟ إذا كان الأمر كذلك حقاً لماذا مازلنا نقول قصيدة نثر لدلالة قصدية تصنيفية ولا نقول (شعر) فحسب مكتفين بالعمق اللفظي لكلمة دون ارفاقات أو توضيحات! أم هل مشكلة التعريف والمصطلح مازالتا تخوضان المعركة لإثبات الهوية.
لقد استطاعت نماذج جيدة من النثر أن تخترق الذائقة الجمالية السائدة وغالبا ما تكون تلك النماذج لأسماء لها رنينها أمثال الماغوط وأنسي الحاج وأدونيس، ولا يجري الالتفات إلى نماذج مضيئة أخرى كتجربة خير الدين الأسدي ولويس عوض وحسين مردان ومن بعد نزيه أبو عفش. النماذج الأولى صدرتها بيروت الخمسينات والستينات عندما كان صك الاعتراف لبنانياً يعني شرعية مطلقة، ولم يكن متاحاً للنماذج الأخرى بقعة ضوء للشهرة رغم أحقيتها وأهميتها.
في الوقت الذي تتأخر فيه الحداثة العربية تتقدم قصيدة النثر! حقا إنه أمر يدعو للدهشة: كيف يمكن للفن أن يتطور والمجتمع يتأخر، وفي مواقع أخرى يتراجع، بل كيف يمكن تفسير هذه الرغبة في الثورة العارمة على القديم في الشكل والمضمون والرغبة في تجاوز هذا القديم البالي بشيء أكثر حداثة ومجاراة للعصر ومتطلباته، بينما في الجوار يتخلى المجتمع عن مكتسباته الحداثوية وتتقدم قوى تقدس الماضي وتعلي من شأن العادات والتقاليد والموروثات، انه حقا أمر يدعو للدهشة.
لقد حدثت ثورة عالمية في فنون الموسيقى والرسم والمسرح والنحت، ولكنها كانت نتاج حالة داخلية وليست استيراداً من مكان ما أو بمعنى أدق ترافقت نهضة الفن مع نهضة عامة في كل الحقول، يومها كان العالم مستعدا نفسياً للتغير، وأراد ان يغلق خلفه باب الماضي بكل سلبياته وحروبه ومجاعاته وعنصريته، ماض لا يشرف أحداً، وكان الفن سبيلاً للتصالح مع المستقبل الذي أنتج أشكالاً فنية عبرت عن نفسها ضمن زمنها وقادرة على العيش في أزمنة المستقبل.
في كتابها عن قصيدة النثر الذي نشر لأول مرة في باريس في 1959 أعطت سوزان برنارد الشعرية الصوت الأقوى القادر على التحول والتعبير وقرأت حركة المجتمع الذي بارك ثورة الفن، تلك الثورة التي أحدثت النقلة الواضحة بين زمنين، وها نحن استوردنا المصطلح والشكل ولكن لم نستورد المضمون، لدينا قصيدة نثر شكلية ولكن بأدوات من ماضٍ تنخر فيها، وها نحن نكتبها بكثير من الثرثرة وقليل من الوعي.
قصيدة النثر العربية لا تحتاج إلى جيش من الشعراء، بل تحتاج إلى مجموعة نقاد.
أين هم؟
