«فارس ديون»، هل كان رجلا أم امرأة؟ أم ما بينهما؟ هذا السؤال لا يزال مطروحا منذ قرنين من الزمن. وكتاب «فارس ديون، حياة مضطربة» يعود إلى طرح المسألة من جديد والتي كانت موضوع العديد من الكتب.
«فارس ديون» شخصية حقيقية لكن الوقائع التي عرفتها سيرة حياته تفوق وصف الروائيين. وقد كانت حياته مضطربة «لا بداية ولا نهاية لها»، كما قال ذات يوم.
وقد كان بنفس الوقت عنصراً سرياً للويس الخامس عشر ودبلوماسياً رسمياً، وكان له دور في السياسات الكبرى ولكنه شارك أيضاً في العديد من الدسائس.
ويعود بنا الكتاب إلى تاريخ 21 مايو-ايار 1810. في ذلك اليوم عندما كانت السيدة «كول» تقوم بغسل الجسد المسجّى للمرأة التي قاسمتها السكن كمستأجرة مثلها في أحد شقق لندن المتواضعة، أنها كانت تعيش منذ فترة طويلة مع «رجل». ولم تتأخر في إخبار صديقاتها أن «فارس ديون» لم يكن تلك المرأة المزعومة. وأثبتت عملية التشريح التي أجريت على الجثة بعد ذلك في أحد المستشفيات أن المعني هو رجل وليس امرأة.
«كان كل شيء قد بدأ بشكل عادي»، كما نقرأ في الحديث عن طفولة وشباب «فارس ديون». وفي عام 1728 رأى «شارل دوبومون»، وهذا هو اسمه الحقيقي، النور في بلدة تونير بمنطقة البورغون الفرنسية. كان أبواه يعملان في ميدان القضاء مما سمح له أن يعيش حياة رغيدة وأن يتعلّم في أفضل المدارس.
وبعد أن أنهى دراساته جمعته الظروف ذات يوم بالملك لويس الخامس عشر الذي أعجبته بلاغته في الحديث وسلوكه «الدبلوماسي» في التعامل مع المحيطين به. فما كان منه سوى أن ضمّه إلى العاملين في الجهاز السرّي التابع للعرش، مما كان يشكل آنذاك «تميزّا» اجتماعيا كبيرا.
وكان من بين المهمات الكبيرة الأولى التي أوكلها الملك إليع هي إيفاده إلى سان بطرسبورغ، عاصمة القياصرة الروس آنذاك، للقاء «اليزابيت» التي كانت تشغل آنذاك العرش القيصري. وكان المطلوب من «شارل دو بومون» هو حصوله منها على ميثاق تحالف مع فرنسا. وقد يكون تنكّر يومذاك للمرّة الأولى بزي امرأة.
ومهمة أخرى كلّفه فيها لويس الخامس عشر تمثّلت في الذهاب إلى لندن من أجل إجراء مفاوضات السلام مع انجلترا. لقد نجح في تلك المهمة الدقيقة وكافأه الملك بتعيينه دبلوماسيا رفيعا في السفارة الفرنسية بلندن. وبنفس الوقت طالبه لويس الخامس عشر باستكشاف الشواطئ البريطانية. ذلك في خلفية النوايا بتحضير خطة لغزو بريطانيا.سرت الأمور حتى آنذاك على أفضل ما يرام مع الذي أخذ لقب فارس «ديون». لكن كان تعيين سفير جديد في لندن هو «دوق غرشي» بداية انحدار مكانته إذ أصبح يشغل منصب مجرّد سكرتير.
وتقول المؤلفة: «لم يستطع تحمّل ذلك. وفي تلك اللحظة انقلب كل شيء. وفي فترة أولى رفع دعوى ضد دوق غرشي أمام محكمة ملك انجلترا بتهمة محاولة تسميمه. هكذا دمّر مساره الدبلوماسي كله. وأطلق شائعة أنه امرأة، كي يتحدث الناس عنه».
سرت الإشاعة مثل النار في الهشيم وأصبح موضوع كون «ديون» امرأة أو رجلا موضوع رهانات. ذلك حتى حسمت محكمة ملكية بريطانية الأمر لفض النزاع بين المراهنين وأصدرت حكما أكّدت فيه أن «فارس ديون» هو امرأة بالفعل.
وفي باريس أراد لويس السادس عشر استرجاع الوثائق الخاصة بخطة غزو بريطانيا. ووافق مقابل ذلك أن يدفع مرتبا شهريا لـ «ديون» مقابل بقائه بزي امرأة.ويتم التأكيد في هذا السياق أن الآنسة «بيرتان» التي كانت تخيط الثياب لماري انطوانيت هي التي أشرفت شخصيا على إعداد الملابس النسائية لـ «فارس ديون».
وتؤكد مؤلفة هذا الكتاب في تحليلاتها أن «فارس ديون» قام بـ «إقناع نفسه أنه ينتمي حقيقة إلى عالم النساء وبدأ منذئذ يبحث في المعتقد الديني عمّا يمكن أن يبرر مثل ذلك التحوّل». لكنه وبدافع حبّه للظهور، وبعد النسيان الذي أحاط به بسبب ابتعاده عن القصر، طلب العودة إلى لندن. ولقد عرف في العاصمة البريطانية بعض النجاح على المسرح حيث كان يقوم بدور رجل يتخفّى بثياب امرأة.
وهناك توفي فقيرا في المسكن الصغير الذي كان قد استأجره بالاشتراك مع الآنسة كول. وفي ذلك المسكن كتب مذكرات حياته.وتصف المؤلفة هذه المذكرات بالقول: «إن قراءة مذكراته غير المنشورة تبيّن بجلاء أنه كان يعاني من اضطراب نفساني (...). إنه يقارن نفسه بالقديس اوغسطين ويُعيب على جان جاك روسو كتابته لاعترافاته «الاعترافات»، عنوان كتاب روسو الشهير. ثم يغرق بعد ذلك في حالة من الهذيان.
ويتحدث عن الملائكة وعن نقاوة المرأة». وهذا ما ترى فيه المؤلفة وقوعا في «أحابيل» النرجسية.
الكتاب: فارس «ديون» حياة مضطربة
تأليف: ايفلين لوفيه، موريس لوفيه
الناشر: فايارباريس 2009
الصفحات: 380 صفحة
القطع: المتوسط
Le chevalier d'Eon, «une vie sans queue ni tête »
Yvelyne Lever, Maurice Lever
Fayard - Paris- 2009
380.P
