يسد كتاب «ماركس والتاريخ» لمؤلفه ريك هوبسباوم ثغرة حقيقية، حيث يتعرّض للجانب التاريخي من حياة ماركس الذي لا يزال يثير اهتمام المفكرين في الغرب، ويشير المؤلف الى أنه رغم أن الستالينية قدّمت صورة مشوّهة عن فكر ماركس، وأن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وكتلته وجّه ضربة قاصمة للشيوعية بنسختها التي طبقها البلاشفة الروس بعد ثورة أكتوبر 1917، رغم هذا كله يبقى من المهم النظر إلى ماركس كأحد المصادر الأساسية من أجل فهم التاريخ.
يقدّم المؤلف الرؤية التاريخية لماركس من خلال عشرة مساهمات كان قد قدّمها في مناسبات مختلفة، وأصبحت كل مساهمة منها فصلا في هذا الكتاب. وتتطرق عامة إلى البربرية، طريقة عمل والمادة الأولية للإيديولوجيات وكارل ماركس والتاريخ والمفهوم الماركسي للتاريخ وتفكيك الأساطير والتاريخ الأوروبي المتفرّد والفرق بين الواقعة التاريخية والكذب والتاريخ الشعبي وهل يمكن كتابة تاريخ الثورة الروسية؟ وأخيرا لا شيء يشحذ الذهن مثل الهزيمة.
يبدأ اريك هوبسباوم حديثه بأن البربرية لم تتوقف عن التعاظم خلال القسم الأكبر من القرن العشرين وليس هناك أي مؤشر أن هذا التعاظم هو في طريق بلوغ نهايته. والمظهر الأول لهذا التعاظم يجده في تشويش وانهيار منظومات القواعد والسلوك الأخلاقي. وهذه القواعد التي تسمح للمجتمعات بتنظيم التوترات بين أفرادها، وبدرجة أقل بين أفرادها وأفراد المجتمعات الأخرى.
من جهة أخرى، تبدو البربرية من خلال الانقلاب على مشروع عصر التنوير الذي أراد أن يعطي سمة كونية ـ يونيفرسال ـ للسلوك الأخلاقي عبر مؤسسات الدول التي أرادت أن تتخذ صيغة عقلانية يتم على أساسها ما شاعت تسميته بحقوق الإنسان. ويرى المؤلف أن الحرب العالمية الأولى كانت منعطفا حقيقيا للتوجّه نحو البربرية وتعزز عبر الحرب العالمية الثانية ثم الحروب الباردة.
ومن أهم مظاهر البربرية ممارسة التعذيب الذي تمنعه رسميا مختلف الدساتير الحضارية. لكن ذلك لم يكن سوى مجرد مفهوم نظري حيث مورس التعذيب في ظل الأنظمة التوتاليتارية والفاشية، ولكن اللبرالية أيضا بما في ذلك الولايات المتحدة التي قامت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى أواسط عقد السبعينات الماضي بإجراء تجارب حول تأثير الإشعاعات على البشر، كمثال واحد بين أمثلة أخرى. وتبقى الحروب الأهلية هي أحد أكثر التعبيرات البربرية تطرفا في العصر الحديث.
وفي معرض الحديث عن المواد الأولية للإيديولوجيات يتعرّض هوبسباوم لتغطية أساسية تخص أوروبا الوسطى والشرقية التي يرى أن شعوبها تشعر بالخيبة من ماضيها والتشوش حيال حاضرها والقلق حيال مستقبلها. وهذا ما يرى به وضعا شديد الخطورة. وفي المحصلة يرى أن هذه الشعوب لا تريد بالتأكيد العودة إلى حقبة ما قبل 1989 لذلك قد تجنح أجيالها الجديدة نحو التعصّب القومي. فتحميل المسؤولية للأجانب هو الحل الأكثر سهولة.
كذلك يؤكد المؤلف على أن تأثير المنهج الماركسي في دراسة التاريخ تباين من بلد إلى آخر. هكذا كان تأثيره قليلا في فرنسا، ذلك بسبب الدور الذي لعبته مدرسة الحوليات التي أكّدت من جهتها أيضا على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية للتاريخ. هذه المدرسة لاقت انتشارا واسعا في العالم تحت اسم المدرسة الفرنسية الجديدة لكتابة التاريخ التي من رموزها المؤرخ فرنان بروديل.
وبعد أن يؤكد المؤلف على فرادة تاريخ أوروبا منذ اليونان القديمة والهيمنة التي مارستها الحضارة الأوروبية على مدى عدة قرون، يشير إلى ضرورة البحث والتمحيص في مجال قراءة التاريخ بغية التفريق بين الوقائع التاريخية وبين الأكاذيب، وذلك على ضوء أرجحية البراهين.
فالفرق كبير بين رواية عن عودة نابليون حيا من جزيرة القديسة هيلانة كما يمكن أن نقرأ في الأدب وبين علاقة ذلك مع التاريخ. كما ينبّه المؤلف من الخطورة الكبيرة التي تتمثل بكون أن التاريخ قد جرت كتابته، وبجزء كبير منه، من أجل تمجيد القادة، بل وفي أحيان كثيرة من أجل استخدامهم الخاص له.
الكتاب: ماركس والتاريخ
تأليف: اريك هوبسباوم
الناشر: ديموبوليس باريس 2008
الصفحات: 205 صفحات
القطع: المتوسط
Marx etlh'istoire
Eric Hobsbawm
Demopolis ـ Paris
205.p
