يمثل كتاب « طبيعة الديموغرافيا» لمؤلفه هيرفي لوبرا قيمة تعليمية لأنه يقوم بدراسة الإجراءات والأنماط الديموغرافية من حيث تأثيرها على سلوكيات الأفراد والشعوب. كما يتم التعرض إلى علاقة الديموغرافيا، مع العلوم والمشارب الاجتماعية الأخرى.

الظاهرة التي يؤكد عليها المؤلف في السياق الراهن هي تلك المتعلقة بالتغيرات السريعة التي عرفتها العقود الثلاثة الأخيرة والتي كانت لها تأثيراتها المباشرة والعميقة على مجمل المسائل ذات العلاقة المباشرة بالواقع السكاني بمختلف المجتمعات. وفي مقدمة هذه المسائل تلك المتعلقة بمعدلات الولادات والهجرة وإيقاع الزواج ونسبة المعمّرين. وتتم دراسة هذه المسائل كلها كما هي في الواقع الحاضر ولكن أيضا حسب القرارات المستقبلية لها. ويؤكد هيرفي لوبرا على أهمية البعد الديموغرافي في حياة الشعوب والأم. ذلك على أساس أنه مؤشر راهن ومستقبلي. فعندما يدلّ مؤشر الولادات على التقلّص تبرز فجأة المخاوف من الانحسار، هذا إذا لم يكن من الزوال.

وعندما تزيد مثلا نسبة الوفيات ترتفع عامة أصوات أولئك الذين ينتقدون السلطات العامة ويتهمونها بالعجز عن رعاية الصحة العامة. وعندما يرتفع عدد حالات الطلاق تزداد المخاوف حول مستقبل الأسرة. جميع هذه المسائل التي تبدو وكأنها تفاصيل واضحة الدلالات، يرى المؤلف أنها تستوجب الدخول بجديّة إلى ورشة الديموغرافيا ومحاولة التعرّف على أسرار آلية عمل كل مكوناتها.

ومن أول الصعوبات التي يواجهها الباحثون في ميدان الديموغرافيا، يحدد المؤلف واقع أن المعنيين يتعاملون دائما مع توجهات وتوقعات، وهم دائما في إطار النتائج الممكنة لهذه السياسة الديموغرافية أو تلك. وفي المحصلة يقدمون مجموعة من التحذيرات التي تلوح في الأفق إذا لم يتصرّف القائمون على الأمور في الوقت المناسب. الباحثون في ميدان الديموغرافيا ليسوا في واقع الأمر أصحاب قرارات. ولكنهم في أحسن الحالات مستشارون لدى أصحابها.

ويؤكد هيرفي لوبرا أن الديموغرافيا هي بطبيعتها ذات منظور مستقبلي. والمنظور المستقبلي الذي تقول بها قاتم ومأساوي في أغلب الأحيان. هكذا تتم الإشارة إلى أن إسحاق نيوتن كان قد قدّم سابقا توقعات ديموغرافية تشير إلى أن نهاية الزمن قادمة.

ومثل هذه الفكرة الخاصة بتطور ديموغرافي يؤدي إلى نهاية العالم موجودة في كتابات كثيرة، وليس أقلها شأنا لدى الاقتصادي الشهير مالتوس ما يشير إليه مؤلف هذا الكتاب هو أن مثل هذه الأفكار قد تقلّص مفعولها في السياق الراهن كثيرا حيث الأفكار مختلفة. لكن هذا لا يمنع واقع أن الديموغرافيين قد ورثوا بطريقة أو بأخرى بعض الانجذاب نحو أفق الكارثة.

ويناقش هيرفي لوبرا على مدى العديد من الصفحات فكرة الانفجار الديموغرافي التي طالما ترددت لدى العديد من الباحثين، وخاصة ابتداء من مطلع عقد السبعينات في القرن الماضي العشرين. كانت التوقعات تقول آنذاك ان عدد سكان العالم في أفق عام 2100 سيصل إلى 12 مليار نسمة. لكن التوقعات الجارية اليوم فتقول ان رقم 2,9 مليارات نسمة هو الأكثر توقعا في أفق عام 2050.

ويتم تحديد فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بأنها قد شهدت الخشية من تعاظم كبير في معدلات الولادة، على خلفية الخوف من تناقص عدد سكان العالم. ولكن الذي جرى في الواقع هو تضاؤل مؤشرات نسبة الولادات، وخاصة في البلدان النامية، ذلك وصولا في بعض البلدان مثل تونس إلى أقل من طفلين لكل امرأة. وتناقص المؤشر في غضون 15 سنة فقط من ستة أطفال إلى طفلين في إيران. يتم التأكيد في هذا السياق أنه ينبغي عدم التسرّع في تفسير مثل هذا الانعطاف الحاد، بل والمعاكس أحيانا.

كما يرى هيرفي لوبرا أن هذا التحوّل نحو الحد من النسل ليس جيدا وليس سيئا بحد ذاته. وذلك بعيدا عن أي حكم أخلاقي. ذلك أن المشكلة الحقيقية يتم تحديدها في أنماط الاستهلاك السائدة في مجتمعات اليوم. ثم إن البلدان النامية تجهد أكثر فأكثر من أجل تقليد نمط العيش الأميركي. وهذا نمط لا يتردد المؤلف في وصفه أنه، مثير للقلق كثيرا حيال المستقبل.

ويتم ضمن نفس النهج من التحليل رفض الفكرة التي كانت سائدة قبل ثلاثين سنة والقائلة ان التزايد السكاني هو مصدر كل الشرور. إن زيادة السكان ليست سيّئة بحد ذاتها، لكن المتهم الحقيقي هو نمط الاستهلاك.

الكتاب: طبيعة الديموغرافيا

تأليف: هيرفي لوبرا

الناشر: جامعة برنستون 2008

الصفحات: 384 صفحة

القطع: المتوسط

The nature of demography

Hervé Le Bras

Princeton University Press 2008

384.p