«مستقبل الليبرالية» هو كتاب في عمقه مرافعة من أجل الليبرالية، ويرى مؤلفه ألان وولف الذي يطرح سؤالاً: ألا تزال الديمقراطية الأميركية فاعلة؟ إن الليبرالية لا تزال بالمعنى التقليدي الكلاسيكي والحديث تنتمي إلى الحاضر وليس إلى الماضي، كما يردد كُثر، كما أنها لا تزال تحقق الهدفين الأساسيين للمسار الديمقراطي أي الحريّة والمساواة بالنسبة للمعنيين بها.
يتحدث الكتاب عن مستقبل الليبرالية، فإن مؤلفه يقوم أساسا بمقاربة تاريخية للمفاهيم الليبرالية. ذلك عبر العودة إلى استعراض المقولات الفكرية والفلسفية لآباء الليبرالية من الذين أسسوا لها مثل المفكر البريطاني جون لوك والألماني ايمانويل كانط وغيرهما. وما يفعله مؤلف الكتاب هو أنه يطبّق مفاهيم هؤلاء المفكرين الكبار ونظرياتهم على المشاكل السياسية المعاصرة.هكذا تتم على ضوء أكثر المفاهيم الليبرالية تاريخية وتقليدية، مناقشة قضايا وتحديات يواجهها العالم اليوم. ونجد في فصول هذا الكتاب ما يخص الإرهاب والعولمة والسياسات القائمة على إيديولوجيات عقائدية ـ دينية. بل وينظر إلى إعصار كاترينا وطرق التصدي له على ضوء المقولات الليبرالية. ذلك وصولا إلى نتيجة أساسية مفادها أنه ينبغي لليبرالية أن تكون سبيلا نحو الرفاهية العامة وليس دافعا نحو اتخاذ إجراءات حماية وطنية.
المطلوب بالتحديد، كما يشرح المؤلف، هو أن يتصرف الليبراليون اليوم بطريقة صحيحة بما تركه لهم الإرث الليبرالي العريق. ولا يتردد في القول أنه يمكن لليبرالية، إذا تمّ التعامل معها بشكل صحيح وليس بطريقة عشوائية مثل تلك التي طبّقها المحافظون الأميركيون، أن تكون السبيل الأفضل لإعطاء البشرية أكبر قدر ممكن من الوسائل للتغلب على التحديات التي يواجهونها.
إن المؤلف، وعلى ضوء معرفته الدقيقة ومعاصرته لأربعة عقود من الفكر السياسي الأميركي الراهن يؤكد على أنه من دعاة أميركا الليبرالية ذات المبادئ.
ويعتبر نفسه أحد آخر أبناء الليبرالية الأكثر إخلاصا، ذلك على أساس المساهمة الكبرى التي قدمها الفكر الليبرالي في تاريخ المسار الإنساني كله. ويناقش أفكار الذين شككوا بهذا الفكر منذ جان جاك روسو في عمله الشهير العقد الاجتماعي وحتى المحافظون الحديثون والأصوليون العقائديون.
ويشرح الان وولف على مدى فصل كامل ماذا يعني أن يكون المرء ليبراليا حقيقة. ويستعرض في هذا الإطار بعض الأعمال الأساسية في التأسيس للفكر الليبرالي مثل كتابات جون لوك ونظرية المشاعر الأخلاقية لآدم سميث وماذا يعني عصر التنوير، لايمانويل كانط وحول حرية المرأة وخضوعها لجون ستيوارت ميل. ويخرج المؤلف من هذا كله بالتأكيد على أن الليبرالية تمتلك قدرات كبيرة للتأقلم مع الطبيعة الإنسانية.
ويؤكد المؤلف أنه يمكن لليبرالية اعتمادا على هذه المبادئ الأساسية أن تشكل أداة ناجعة لمناقشة عدد من الإشكاليات التي يواجهها العالم اليوم، وليس أقلها شأنا الهجرة والإجهاض والحرية الدينية وحرية التعبير.
بكل الحالات يركز المؤلف على القول أنه يمكن لهذه التقاليد الليبرالية أن تؤثر على النقاشات الجارية بخصوص هذه القضايا وغيرها من المسائل المطروحة للبحث اليوم.
لكن مؤلف هذا الكتاب يضع شرطا أساسيا رأى أنه لا بد من تحققه كي تكون لليبرالية فاعليتها وقدرتها على التصدّي للعديد من الإشكاليات بنجاح. إنه يرى بضرورة أن يتم فهمها والأخذ بها، ليس من قبل الأميركيين وحدهم حيث أنها تمثل الإيديولوجية السائدة.
ولكن أيضا من قبل بقية شعوب العالم. ذلك على أساس أنها المنهج الأكثر ملاءمة، والأكثر فائدة، للعيش في عالمنا الحديث والمعقّد والذي يتطلب تطبيق مبادئ الحريّة والمساواة التي تنادي بها الليبرالية. باختصار يرى المؤلف أنه يمكن للبرالية أن تكون خشبة الإنقاذ إذا عرفت كيف تحسن التصرّف بإرثها الكبير.
ويحذر المؤلف في تحليلاته من خطورة اختزال الليبرالية إلى مجرد سيادة قواعد اقتصاد السوق والمنافسة. ذلك أنه يراها دليلا كاملا ومتكاملا يقوم على مبدئي الأمل والإيمان.
وعلى الرغم من أن المؤلف لا يتعرض لذكر الرئيس الأميركي المنتخب باراك اوباما سوى مرة واحدة، فإنه يقدمه على أنه ممثل حقيقي لليبرالية ببعدها الإنساني.
لكن ما يهم المؤلف ليس الشخص بحد ذاته، لكن بالأحرى الفكر السياسي الذي يمكنه أن يجسده والذي يمثل حصيلة ثلاثة قرون من المسار الليبرالي الأميركي رغم ما عرفه من انكفاء وانحرافات، وتارة باسم الليبرالية نفسها، أو حتى التطرّف فيها كما فعل المحافظون الأميركيون الجدد في ظل الإدارة الأميركية السابقة.
ويصل المؤلف في تحليلاته إلى التأكيد أن الليبرالية في الولايات المتحدة لا يمكنها أن تموت. ذلك على أساس أنها في قلب التاريخ الأميركي نفسه. وهذا ما يريد الكتاب تقديم البراهين عليه. ولكنه يذهب أبعد من ذلك إذ يشكّل، بمعنى ما، تأريخا للمسائل الفكرية الكبرى المطروحة على عصرنا. بكل الحالات ما يمكن تأكيده هو أن هذا العمل حظي منذ صدوره باهتمام كبير من النقاد والمفكرين حيث طالب العديد منهم الجميع بقراءته.
الكتاب: مستقبل الليبرالية
تأليف: الان وولف
الناشر: الفريد كنوبف نيويورك 2009
الصفحات: 352 صفحة
القطع: المتوسط
The future of liberalism
Alan Wolf
Alfred A. Knopf ,N.Y 2009
352.p

