مع نشوب الأزمة المالية العالمية بادر الرئيس الاميركي السابق جورج دبليوبوش إلى طلب المساعدة ووجدت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل نفسها لا تعرف ماذا تفعله أمام بنوك بلادها المهددة بالإفلاس. واعترف آلان غرينسبان، مهندس النظام المالي الاميركي لعدة سنوات، بأخطائه. باختصار بدا العالم أنه يوشك على الانهيار والدخول في فترة من «المجهول» الاقتصادي. مع كل ما يترتب على ذلك من أخطار على الصعيد الاجتماعي بشكل خاص.

ويؤكد المؤلفان جيل فنشلشتيان وماتيو بيغاس في تحليلهما أن أولئك الذين تصدوا لتفسير الأزمة المالية الراهنة ومحاولة الكشف عن أسبابها، لم يعطوا واقع «الاختراق» الذي حققته البلدان الصاعدة حق قدره. وبالتالي يتم القول إن هذه البلدان «الصاعدة» سوف تعاني بالتأكيد من آثار الأزمة، ولكن بدرجة أقل بكثير مما ستعاني منه البلدان الصناعية المتقدمة. ذلك على خلفية امتلاكها لـ «القوة» الاقتصادية واحتياطي كبير في سوق المبادلات ودينامكية كبيرة في المنافسة على صعيد مردودية الإنتاج. باختصار تمتلك البلدان الصاعدة، والصين في مقدمتها، على العديد من «الأوراق الرابحة» بالقياس إلى البلدان الصناعية المتقدمة فيما يتعلق بقدرات مواجهة الأزمات.

ما يتفق عليه الجميع هو أن الأسباب العميقة لنشوب الأزمة المالية الحالية أصبحت معروفة وأصبح منطق تسلسل «تعبيراتها» مفهوما. إنها نتاج طبيعي لتضخم الديون إلى حد «الإفراط». ثم إن وفرة الأموال نقدا وأسعار الفائدة المنخفضة أدى إلى تشكل ما يطلقون عليه في قاموس الاقتصاد تعبير «الفقاعة» وفي السياق المعني مجموعة من «الفقاعات على صعيد المضاربات»، خاصة في قطاع المتاجرة بالأبنية.

وبالموازاة مع ذلك كله ازدهرت المؤسسات المالية العاملة في قطاع المضارية ومنح القروض بمعدلات فائدة تصاعدية تصل في أحيان كثيرة إلى مستويات يصبح من المستحيل معها أن يستطيع المدينون تسديد المبالغ المستحقة عليهم. وهنا برزت ظاهرة تعاظم الملكيات، من بيوت وغيرها، المصادرة والمعروضة للبيع في المزادات العلنية.

ويشرح جيل فنشلشتيان، ماتيو بيغاس على مدى العديد من الصفحات الدور الذي لعبته «الدولة» في الأزمة وفي الاقتصاد عامة ضمن سياق الإيديولوجية الليبرالية السائدة في ظل العولمة. إن الفشل الكبير الذي عرفته الليبرالية، برأيهما، هو انهيار مقولة ان «الدولة ليست هي الحل وإنما هي المشكلة»، كما كان يردد الرئيس الاميركي الأسبق رينالد ريغان في مطلع عقد الثمانينات الماضي.

وانهيار تلك المقولة تحديدا فيما تنظر إليه من حيث تأكيدها على ترك الاقتصاد يعمل بكل حريّة بعيدا عن أي «ضبط» خارجي، أي ما يعني «الدولة» واقعيا.

وبهذا المعنى يرى المؤلفان أن الأزمة لم تكن نتيجة عوامل اقتصادية وممارسات مالية بدافع زيادة الكسب السريع فحسب، ولكن كانت لها أيضا «جذورها الإيديولوجية». بل لا يترددان في القول إن الليبرالية، على الأقل بنسختها التي سادت خلال العقود الأخيرة المنصرمة، قد أظهرت «محدودية أفقها»، وأنها قد فقدت ما كانت تتغنّى منه من «هيمنة فكرية».

وهذا ما يمكن اعتباره بمثابة «منعطف تاريخي» فكري بعد ثلاثين سنة من السيطرة الكاملة للأفكار الليبرالية التي رافقت ما عُرف بـ «الثورة الاميركية المحافظة».

ومن المواضيع التي يوليها المؤلفان أهمية خاصة في كتابهما، مسألة البنوك وعواقب الأزمة على آليات عملها. وتتم الإشارة أوّلا إلى أن المهمة «الجوهرية» في عمل هذه البنوك هي أن تقوم بإقراض الأموال للمؤسسات أو للخاصّة مقابل الحصول على مبالغ مالية تمثّل أسعار الفائدة. بالتالي يفترض هذا الأمر أن تقوم بعملية تقييم للمخاطر ولقدرة السداد قبل الموافقة على منح القروض أو حجبها.

ويصل جيل فنشلشتيان، ماتيو بيغاس في النهاية إلى القول إن بناء «عالم ما بعد الأزمة» يتطلّب بالضرورة تصحيح «خللين» جوهريين كانا في أصل نشوب الأزمة الراهنة. الخلل الأول يتعلق لـ «اقتسام القيمة المضافة» و«اقتسام الدخل»، وذلك بعد «الحصة الكبيرة» التي حظي فيها رأس المال على حساب الاقتصاد الحقيقي. و«الخلل» الثاني يخص النظام المالي الدولي.

إن البلدان الصاعدة تقوم الآن عمليا بـ «تمويل عجز» الولايات المتحدة. وهذا يتطلّب التصحيح بحيث تستجيب عولمة السياسة إلى عولمة الاقتصاد.

ومن الاقتراحات التي يتم التأكيد على ضرورة العمل بها، إزالة ما يُسمى بـ «الفراديس المالية» بضرائبها القليلة وأسرارها المصرفية ويكفي للتدليل على عمق هذه المشكلة معرفة أن التدفقات المالية من الولايات المتحدة نحو البهاماس هي أكبر منها مما هو نحو الصين.

الكتاب : العالم فيما بعد، أزمة لا سابق لها

تأليف: جيل فنشلشتيان، ماتيو بيغاس

الناشر: بلون باريس 2009

الصفحات: 200 صفحة

القطع: المتوسط

Le monde d'après, une crise sans précédent

Gilles Finchelstein, Mathieu Pigasse

9002 siraP - nolP

200.p