شكلت الإطلالة المفاجئة، مؤخراً، لرواية الكاتبة الأيرلندية ميف بينشي «القلب والروح» الأرضية التي انطلق منها هذا الحوار، الذي أجرته معها صحيفة «غارديان» اللندنية حيث ألقت الضوء على تجربة الكتابة على نحو ما تمارسها، مشددة على الطابع العفوي للكتابة الإبداعية، ومؤكدة أن الكاتب ينبغي أن يكتب كما لو كان يتجاذب أطراف الحديث مع صديق له أو يبعث برسالة إلى أحد أقاربه، وفيما يلي نص الحوار:
أي الكتب هي التي كنت تفضلينها خلال طفولتك؟
لا شك في أن كتابي المفضل كان «ويني» وكان أبواي يقرآن لي من هذا الكتاب مقاطع لا تنتهي، وقد أحببت كانجا وإيوري ونظرت إليهما على أنهما صديقان لي، واعتدت أن أسأل أين أنا في «غابة المئة هكتار» وكان أبواي يدخلان السرور على نفسي بالقول إنني على شجرة عند البوابة، وعندئذ كان الشعور يساورني بأنني جزء من هذا العالم الرحب بأسره.
بينما كنت تكبرين، هل كانت هناك كتب في دارك؟
نعم، كانت هناك كتب في كل مكان من دارنا، ومن الأرضية إلى السقف كانت هناك أرفف للكتب. وكان أبي يتوجه إلى عمله مستقلاً القطار، وكانت الرحلة تستغرق نصف ساعة في كل اتجاه، وكان يقرأ كتاباً من الكتب ذات الأغلفة الورقية في غضون أربع رحلات بالقطار. وبعد تناول طعام العشاء كنا نجلس جميعاً للقراءة، وكان ذلك قبل وقت طويل من ظهور التلفزيون.
هل كان هناك أحد تهتمين بقراءة أعماله؟
لأنني رأيت أبوي يسترخيان في مقاعد وثيرة ويقرآن ويحبان القيام بذلك، فقد اعتقدت أن ذلك شيء هادئ ومسالم يقوم به الكبار، ومازلت أعتقد ذلك حتى اليوم.
ما الذي جعلك ترغبين في الكتابة عندما كنت تستهلين حياتك العملية؟
لم أرغب في الكتابة قط، وكل ما هنالك أنني عندما كنت في رحلة طويلة خارج أيرلندا كنت أبعث برسائل مطولة إلى أبوي لطمأنتهما على أنني على ما يرام وأقضي وقتاً رائعاً، وقد اعتقدا أن هذه الرسائل رائعة، وبعثا بها إلى إحدى الصحف، والتي بادرت بنشرها. وهكذا فقد أصبحت كاتبة بمحض الصدفة.
هل تجدين الكتابة شيئاً سهلاً؟
إنها سهلة على نحو ما، لأنني أكتب كما لو كنت أتجاذب أطراف الحديث معك، أو أكتب رسالة إلى صديق، ولكن هناك بالطبع خطر التكرار إلى حد إثارة الملل والضجر، على نحو ما نفعل في حواراتنا مع الأصدقاء، ولذا فإن الجزء الصعب هو رصد ذلك، والحرص على ألا يحدث.
ما الذي يجعلك تكتبين الآن؟
إنني أكتب لأن رأسي مليئة بالقصص، وأنا أحب أن أرويها، وفي رأسي الآن قصة تدور حول امرأة تعتقد أن رئيسها في العمل يدعوها إلى مكتبه لمناقشة إمكانية ترقيتها، ولكن في حقيقة الأمر فإن ما يريد رئيسها هو أن يطردها من العمل كلية، وأنا أريد أن أروي كيف يمكن أن تنجو من تأثيرات هذا كله، وأنا حريصة أشد الحرص على أن أروي هذه القصة.
كيف تكتبين؟ هل تلتزمين بروتين يومي محدد في عملية الكتابة؟
إنني متزوجة من كاتب، هو جوردون سنيل، والذي يكتب كتباً للأطفال، ونحن نحاول أن ننطلق إلى غرفة مكتبنا بالدار التي يهب عليها النسيم ويدخلها النور في تمام الساعة الثامنة والنصف من صباح كل يوم عمل من أيام الأسبوع، وتسير في أعقابنا قطة عجوز تحرص على لفت انتباهنا عندما يحل وقت النزول لتناول طعام الغداء. وأنا أحاول الالتزام بأربع ساعات ونصف الساعة من العمل الصافي على جهاز كمبيوتري النقال يومياً، على امتداد خمسة أيام في الأسبوع.
كيف تصمدين في مواجهة وجودك بمفردك عاكفة على العمل في مكتبك كل هذا الوقت؟
إنني لا أكون بمفردي إلا في صباحين من الأسبوع عندما يمضي جوردون للعب الغولف مع أصدقائه، ولكن المشكلة الأساسية هي التعرض للشرود عندما لا يكون هناك أحد معك في الدار يتابع ما تقوم به.
ما النصيحة الجيدة التي وجهت إليك واستفدت منها بصورة حقيقية وأنت في مستهلك حياتك العملية؟
قال لي صحافي انجليزي يدعي مايكل فايني عندما كنت في الخامسة والعشرين من عمري إنني سأكتب بشكل جيد إذا أبديت اهتماماً كبيراً بما أكتب عنه. وقد كانت هذه النصيحة مفيدة للغاية بالنسبة لي، فقد مضيت إلى الدار في ذلك اليوم، وكتبت عن عدم فهم الآباء للأبناء بصورة جيدة على نحو ما يفهمهم المدرسون، وقد نشر هذا المقال في الأسبوع التالي مباشرة.
ما النصيحة التي توجهينها للكتاب الجدد؟
أن يكتبوا دائما كما لو كانوا يتحدثون مع صديق، وهذه النصيحة غالباً ما تكلل بالنجاح، ويوفق من يتبعها إلى حد بعيد. ولكن لا تحاول إقحام أي عبارات أو لهجات أو أشياء متألقة لا تستخدمها عادة في الحياة الواقعية، ولنقل على سبيل المثال إننا في موقف ينخرط أحدهم في غضونه في البكاء، وإذا أردت رصد هذا الموقف بنجاح فلا تقل: «انهمرت الدموع شاقة أخاديد في وجهها»، وإنما عليك تناول الأمر بيسر، وفي لطف ولا تحاول التأثير في القراء وإثارة إعجابهم أو انتزاع استحسانهم، فذلك يمكن - في نهاية المطاف أن يؤدي إلى نتيجة عكسية على وجه الدقة.
ما الذي تعكفين على إنجازه الآن؟
بعد الانتهاء من روايتي «القلب والروح» فإنني مشغولة بالبرامج العديدة التي تستهدف الترويج لفيلم يحمل عنوان «ماذا عنك؟» والذي كنت قد كتبت قصته، وسوف يطل عبر دور العرض في نوفمبر المقبل وتلعب بطولته فانيسا ريدجريف وإميلدا ستونتون، وأنا في غضون ذلك أعكف أيضاً على التحضير لكتابي المقبل الذي لم تتكامل أبعاده في ذهني بعد.
كيف تعثرين على المادة التي توظفينها في تأليف كتبك؟
هذه المادة موجودة في كل مكان، وأنا أصل إليها بمتابعة الناس وتأمل ما يفعلونه ومحاولة فهم دوافعهم للقيام به، فليست هناك حياة عادية أبداً، ونحن جميعاً أبطال وبطلات ولكلن لنا أقداراً وعثرات يتعين علينا التصدي لها.
وأنا على سبيل المثال عندما أجد نفسي في قلب الزحام النابع من اختناق حركة المرور، أبادر بالنظر إلى الناس من حولي والتساؤل حول هذه المرأة، التي يمكنني أن أراهن على أنها تمضي إلى موعدها الغرامي الأول، وذلك الرجل الذي يعرف أن ابنه قد أدمن على تعاطي المخدرات، ولا يساورني للحظة الشعور بالضجر من أي شيء، فأنا مهتمة على الدوام بتفاصيل حياة الناس، ويتعين على وجه التقريب جذبي عنوة لإبعادي عنهم.
منى مدكور
