لم يقدر للقارئ العربي أن يحقق إطلالة، ولو في الحدود الدنيا على الأدب الأيرلندي الحديث، ومن هنا فإن من الطبيعي أن نفترض أنه لا يكاد يعرف شيئاً عن الكاتبة الايرلندية ميف بينشي، ومع ذلك فإنها تظل جديرة بإلقاء الضوء على عالمها الأدبي بعامة وعلى روايتها الصادرة مؤخراً بعنوان «القلب والروح» بصفة خاصة لأنها تعد نسيجاً وحدها بحق.
وأول ما يلفت نظرنا في أعمال بينشي أنها تبحث عن أبطالها وبطلاتها وسط الناس العاديين، الذين يعيشون حياتهم باحثين عن اللقمة ولحظة الطمأنينة في عالم يجيد التربص ويتقن الافتراس.وربما يرجع نجاح بينشي إلى حرصها المدهش على استكشاف التفاصيل والدراما في حياة الناس العاديين الذين لا تكاد ترفع أبصارها عنهم أبداً، ولا تتردد في القول إنها بحاجة إلى من يجرها جراً بعيداً عنهم، إذا أريد أن تتوقف عن رصد تفاصيل حياتهم.وعلى الرغم من أن بينشي كتبت القصص القصيرة والروايات على حد سواء، فإنها تفضل القول إن ما تقدمه هو الحكي أو سرد القصص.وهي تقول في هذا الصدد: «الناس يعتقدون أن الروائيين لهم أسلوبهم، وأنا لا أعتذر في هذا الصدد، فليس لديّ أي أسلوب، فأنا لا أكتب مثل مرجريت أتوود أو فاي ويلدون، إنني لا أكتب مثل أي أحد، وإنما أكتب كأنني أتحدث، وقد كان هذا مفيداً للغاية بالنسبة لي، فأنت إذا تحدثت بعفوية فإنك تكون في أقرب موضع من الحقيقة، في أقرب موضع من نفسك، ولهذا فإنني أكتب كما لو كنت أحكي قصة لصديق».
هذا الموقف من العملية الإبداعية هو نفسه الذي جعل بينشي تحظى بحماس الكثيرين للأدب الذي تقدمه، وهي تقول في هذا الصدد: «عندما قمت في عام 1982 بتأليف أول كتاب لي وهو «أشعل شمعة من ذوات البيني»، اعتقدت أن الايرلنديين وحدهم هم الذين سيقرأونها، ولم يخطر ببالي أن أحداً آخر سيهتم بأناس في أماكن رطبة وكئيبة».
ولكن منذ ذلك الحين ترجمت أعمالها إلى عدد كبير من اللغات الأجنبية، ثم اكتسبت شهرة عريضة عندما اختارت أوبرا وينفري كتابها «طريق تارا» ليكون ضمن كتب ناديها للكتاب.ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما في عام 1995 أعطى فيلم «حلقة من الأصدقاء» شهرة بينشي دفعة كبرى، وذلك في نهاية سعيدة لعملية كانت بدايتها قد أثارت فزعها.
وهي تقول في هذا الشأن: «عندما قرأت سيناريو الفيلم أصابتني صدمة حقيقية، وحدثت نفسي بأن كتابي لم يبق منه شيء في الفيلم، فلم يبد أن هناك كلمات أو حبكة على الإطلاق، ولكنني عندما شاهدت الفيلم ابتهجت أشد الابتهاج».
في رواية «القلب والروح» نحن على موعد من جديد مع البصيرة والمرح والتعاطف وغيرها من العناصر التي أصبحنا نتوقعها من بينشي، وهي هنا تروي قصة عائلة وأصدقاء ومرضى وطاقم عاملين يعتبرون جميعهم جزءا من عيادة لأمراض القلب في حي واقع في الهوة بين أيرلندا القديمة وأيرلندا الجديدة.
يعهد إلى دكتورة كلارا كيسي بالمهمة التي لا تحسد عليها والمتمثلة في إنشاء هذه العيادة التي تعاني شحاً في التمويل، وهي توافق في نهاية المطاف على تولي هذه المسؤولية الثقيلة لمدة عام واحد.
ولكننا سرعان ما نعرف أن دكتورة كلارا لديها ما يكفيها ويزيد من المتاعب والأعباء، فلديها ابنتان صعبتا المراس على الرغم من تجاوزهما سن المراهقة، وهناك الاهتمام الذي لا ترغب فيه ولكن زوجها السابق يطاردها في غماره.
وعلى الرغم من ذلك كله، فإنها تنجح في تجميع طاقم للعاملين في العيادة يعكس قدراً مدهشاً من التنوع ومن الإخلاص للعمل، والذي يساعدها في التعامل مع مرضاها الذين لا تتوقف مطالبهم ويصعب إلى حد الاستحالة إرضاؤهم.
لن يمر وقت طويل إلا وقد تحولت عيادة أمراض القلب من مشروع إلى واقع يعد جزءاً بالغ الأهمية من حياة الجماعة التي تظهر بين ظهرانيها، ويتعين على كلارا أن تواجه القرار الصعب المتعلق بالاستمرار أو مغادرة مكان يتم فيه إنقاذ حياة الناس، وتكافأ الشجاعة، وينتصر المرح والتفاؤل على الطمع والإشفاق على النفس.
وقد بادرت كبرى المطبوعات الورقية والالكترونية المختصة في عروض الكتب إلى الاحتفاء بهذه الرواية وإبراز جوانب تألقها.ها هي مطبوعة «ببلشرز ويكلي» تبادر إلى وصف الرواية الجديدة بأنها: «حشد جديد آخر من الحيوات المتقاطعة.. ويوحي التأثير الجذاب لهذه السطور بأن الأفراد أكثر ارتباطاً مما يعتقدون».«نسج حياة مجموعة بعيدة عن التشابه من الأفراد هو ما اشتهرت بينشي بتقديمه، وهي من جديد تقوم بذلك بسهولة فائقة مستقطبة القراء عبر مزيج مدهش من الدفء والمرح الرقيق والعاطفة الأصلية».
هذا هو ما تعلق به مطبوعة بوكليست على الرواية، وهو تعليق يواكبه التوفيق إلى حد كبير.وتقول صحيفة «أيريش صنداي إندبندنت» إن «رواية (القلب والروح) تجمع معاً الآمال والاحلام المكنونة في الصدور لمجموعة يائسة من الشخصيات بالدفء والتعاطف اللذين اعتدنا عليهما من بينشي».
وبدورها تقول مجلة «تشويس» إن «أحدث روايات ميف بينشي تحفل كالمعتاد بشخصيات رائعة مفعمة بالدف والحرص والحس الفطري السليم».
وتبقى هذه الرواية عملاً يستحق القراءة من جانب من يحبون هذه النوعية من الأعمال الإبداعية، التي تركز على اختيار الأبطال من قلب الناس العاديين، الذين يشكل الاستمرار والمواصلة بالنسبة لهم بطولة حقيقية بكل المعايير.
الكتاب: القلب والروح
تأليف: ميف بينشي
الناشر: نوف نيويورك 2009
الصفحات: 307 صفحات
القطع: المتوسط
Heart and Soul
Maeve Binchy
9002 ,.Y.N ,fponK
703 P.

