يأتي هذا الكتاب في إطار اهتمامات مركز دراسات الوحدة العربية بقضايا الوطن العربي بشكل عام وبالأطر القانونية الدستورية للأنظمة العربية ونقاط اللقاء والتوحد وكذلك المشكلات والتحديات ومنها تجارب العمل التوحيدية على اختلاف صيغها ومستوياتها.
وقد أولى المركز اهتماما متواصلا بالتطورات التي شهدتها منطقة الخليج العربي وبتجربة مجلس التعاون لدول الخليج العربية باعتبارها إطارا جامعا يمكن أن يشكل تجربة لعمل وحدوي قابل للنمو والتطور والتكامل. وتشكل الدراسات والبحوث التي يتضمنها الكتاب وكتبت في فترات زمنية مختلفة وتناولت قضايا وموضوعات متصلة باهتمامات وواقع مجلس التعاون مساهمة فكرية في إغناء تلك الموضوعات وتضيء جوانب من الواقع وتثير أسئلة مشروعة حول آفاق ذلك التجمع العربي ومستقبله وتأثيره في مستقبل تلك المنطقة وفي وحدة الأمة وتطورها وكفاحها من أجل الحرية والسيادة.
وقد تم تقسيم الكتاب إلى أربعة أقسام يتناول أولها النظام السياسي والاجتماعي لدول مجلس التعاون الخليجي ويعرض لقضية الإسلام في دساتير دول المجلس مقدما تحليلا كميا للإشارات الإسلامية في الدساتير ومحددات النص على الإسلام فيها.
وتشير الدراسة إلى أنه يلاحظ أن دساتير دول المجلس تشهد اختلافات من حيث روح الدستور والمرحلة العمرية له وهناك انعكاس للصراع والتنازع بين الحداثة والتقليدية والموروث والوافد، فكل الدساتير تتضمن معاني إسلامية ما يدل على توجه إسلامي لكن هناك اختلافا حيث انه فيما فرضت التقاليد الإسلامية الضاربة في أعماق المنطقة على دساتير دول التعاون مصطلحات ذات قيمة إسلامية فإنها في الممارسة تشير إلى معان أخرى تختلف عن المعني النظري لهذه المصطلحات والمبادئ الإسلامية المهمة.
وفي دراسة أخرى في إطار هذا القسم يتناول الباحث باقر سلمان النجار قضية صراع الهوية والمواطنة في الخليج العربي يشير من خلالها إلى أن الخليج مثل منطقة تماس الوطن العربي بعوالم عديدة ما جعله عرضة لتأثيرات مختلفة، وهي حالة جديدة مما تسمى حسب الباحث المجتمعات التعددية التي تتأهل كما يبدو لتحتل مكان الدولة القومية المؤسسة منذ القرن التاسع عشر في أوروبا. ويرى الباحث أن تجاوز هذه المعضلة لن يتم إلا عبر تخلي الفرد والجماعة عن هويتهما العصبوية الصغيرة بصورة طوعية وواعية.
ويتناول القسم الثاني مشكلات التنمية والتعاون والهوية في الخليج العربي من خلال عدة محاور تمثل مجموعة دراسات منها تلك المتعلقة بالعلاقة بين الانكشاف التجاري والتجارة البينية في دول مجلس التعاون الخليجي.
وكذلك الدراسة التي تتناول قضية العمالة الوافدة وتحديات الهوية الثقافية في دول الخليج للباحث على أسعد وطفة ويستعرض من خلالها طبيعة العمالة الوافدة وما تفرضه من تحديات على الهوية الثقافية للمنطقة، على نحو ينعكس في تزايد الهواجس الخاصة بقضية التوطين فضلا عن استنزاف الموارد وبروز التحديات الأمنية.
ويخلص الباحث إلى أن العمالة الوافدة على النحو الموجودة عليه تقتضي من الدول والجهات الرسمية اتخاذ عدد كبير من الإجراءات الإستراتيجية التي تتعلق بوضعية هذه العمالة ودورها ووظيفتها.
وتشير الدراسة إلى أن الدول الخليجية تقوم بجهود كبيرة لمواجهة التحديات التي تفرضها هذه العمالة الأجنبية إذ تقوم الحكومات بمنظومة من الإجراءات التي تتمثل في خلجنة الوظائف وتشجيع القطاع الخاص على تبني العمالة الوطنية ووضع نسق من الإجراءات الموضوعية لتنظيم دخول العمالة وفقا لمبدأ الحاجة. وتنتقد الدراسة اقتصار الطابع العام للإجراءات المتخذة من قبل الحكومات المتعاقبة على الحد من المخاطر والتحديات على الجانب الاقتصادي والمالي، فيما أن العمالة الوافدة ظاهرة ثقافية اجتماعية يجب النظر إليها من هذه الزاوية ومعالجتها على هذا الأساس كذلك.
ويتطرق القسم الثالث إلى قضية السلطة ومعضلات الديمقراطية في دول الخليج العربي وعما إذا كان للديمقراطية مستقبل في المنطقة. ويستعرض في هذا الخصوص تحديات الإصلاح السياسي في دول المجلس ومستقبله.
كما يتناول هذا القسم حقيقة الليبرالية الخليجية. وتشير دراسة في إطار هذا القسم إلى أن هناك معوقات جمة واستعصاء حقيقيا أمام الليبرالية الجديدة التحررية في منطقة الخليج. وفي دراسة حول التعددية السياسية ومشكلة البيروقراطية السلطوية لفتحي العفيفي يشير الباحث إلى أنه لا يمكن الحديث في منطقة الخليج عن الديمقراطية وسبل تعزيز مساعيها قبل التأكيد من وجود تعددية سياسية حقيقية مضيفا أنه بما أن هذه الأخيرة لا تزال تعاني في البحث عن شرعية وأفق للانطلاق فإن عليها أن تحل مشكلاتها أولا مع النخب الجديدة.
وفي القسم الرابع يتناول الكتاب قضية الخليج العربي في المحيطين الإقليمي والدولي وذلك من خلال دراستين أولاهما محددات السياسة الخارجية الصينية تجاه منطقة الخليج لمحمد بن هويدن والذي يخلص إلى أن السياسة الخارجية الصينية تجاه منطقة الخليج هي سياسة مرنة ومتغيرة التوجهات بحسب المصالح الصينية.
وهي سياسة يتحكم فيها كل من المحدد الخارجي والداخلي ويتمثل الأول في علاقة بكين بكل من موسكو وواشنطن، وأما الداخلي فهو الرغبة في تحقيق درجات عالية من النمو. وتستعرض الدراسة الثانية حول الخليج ونذر الحرب الرابعة لعبد الجليل زيد المرهون قضية الحشد العسكري الأميركي الذي شهدته المنطقة عام 2007 وهو الذي أعاد إلى الذاكرة الأجواء التي سبقت عاصفة الصحراء وتلك التي سادت قبيل الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وقد دار الحديث آنذاك حول أن الحشد يستهدف توجيه ضربة عسكرية أميركية محتملة لإيران.
الكتاب: مجلس التعاون لدول الخليج العربية
الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2009
الصفحات: 280 صفحة
القطع: الكبير
مصطفى عبد الرازق

