تميز مسرح هارولد بنتر بواقعية جريئة، وسبر أغوار الإنسان في الجانب الآخر، الذي لم يهتم به أحد من قبل، جانب التجربة الإنسانية أو الشخصية، الذي يختفي عادة عن الأنظار أو يكمن في الظلال.

كتب عن الإنسان المقهور المنسي خلف جدران تلك البيوت الكئيبة المظلمة، يعاني من البرد والظلام والمخاوف والوحدة، يُحدِّث نفسه بصوت عال كي يهرب من وحدته إلى الحانات المظلمة يجلس أشبه بحيوان خائف من مصيره المجهول هذا الإنسان جعله بنتر بطلاً لمسرحياته.حقّق هارولد بنتر نجاحاً جماهيرياً عريضاً، خاصة عندما عُرضت مسرحيته الطويلة الاولى «حفل عيد الميلاد» الى الحد الذي جعل البعض يتساءل عن امكانية تحديد مكانته بين هؤلاء الكتّاب الجدد.

ورغم ظهور «بنتر» بين جيل كتّاب الخمسينات وما بعده من أمثال جون أوزبون وأرنولد ويسكر وجون أرون وشيلا ديلاني وروبرت بولت وغيرهم، إلاّ انه يقف بعيداً عنهم وعن اتجاهاتهم بأسلوب مختلف تماماً، مما جعل الناقد البريطاني هارولد هوبسون يقول: «ثمة شيء في هارولد بنتر يوحي بأنه الرجل الذي يجدر به ان يحتل مكانة من بين كتّاب مسرح «رويال كورت».

ويمتاز هارولد بنتر بحواره الفريد الذي يدل على مقدرة فائقة على تطويع اللغة بحيث تصبح أداة مرهفة للتعبير الدرامي المركّز وفي نفس الوقت تبدو فيه اللغة سهلة وطبيعية وعادية.

تعلم «بنتر» التمثيل في الاكاديمية الملكية لفن الدراما، وعمل ممثلاً بفرق الاقاليم قبل ان يبدأ الكتابة للمسرح. وجاءت هذه البداية عام «1957» حين كتب مسرحية من فصل واحد بعنوان «الغرفة».

ويصف «بنتر» كيفية كتابته لهذه المسرحية، فيقول: «دخلت حجرة في احد الايام وكان فيها شخصان يتحدثان، وعلق هذا المشهد بذهني فترة من الوقت حتى أمكن التعبير عنه بطريقة درامية، فشرعت فوراً في الكتابة وجعلتهما يتكلمان بطريقة تلقائية».

وألّف «بنتر» بعد ذلك عدة مسرحيات تتشابه جميعها في أن أحداثها تجري داخل حجرة ضيقة محدودة والحجرة هنا في نظر «بنتر» ملجأ مؤقت تحتمي فيه شخصيات مسرحية من المصير الذي يتهددها في الخارج بل ان «بنتر» يعتبرها البطل الاول في مسرحياته.

والرمز هنا بالحجرة يُعد بمثابة الحماية المؤقتة من الخطر الذي يتهددنا من المصير الذي سوف نلتقي به من الرعب والفزع إذا ما خرجنا من الحجرة، ذلك أن فلسفة «بنتر» تنحصر أساساً في اننا في هذا العالم إنما نسير على حافة هاوية سحيقة لا قرار لها وانه ستأتي لحظة ما وينهار الجرف الذي نسير عليه، ونسقط في الهاوية، كما اننا في هذا العالم محاصرون برعب وفزع وتوتر لا نستطيع ان ندرك كنهه..

ولا نستطيع ان نأخذ الحذر منه او نتحاشاه. وفي مسرحية «الساقي الاخرس» وهي ايضاً من فصل واحد، تتكرر صورة الغرفة والمجهول الذي يحيط بها.

والساقي الاخرس هي العبارة التي تُطلق على ذلك المصعد الصغير الحجم الذي ينقل الطعام - في المطاعم - من المطبخ الى حيث يجلس الزبائن. وحين نفتح الستار نرى شخصين يقرأن الصحف ويتحدثان في اطمئنان في غرفة وهي عبارة عن قبو تحت الارض ونعرف من حديثهما أنهما قاتلان محترفان، يلقيان الأوامر بقتل ضحاياهما من منظمة غامضة.

وأنهما في هذه اللحظة يشعران بالطمأنينة لأن احداً لا يعرف مكانهما. وفجأة يتحرك في نهاية الحجرة ذلك المصعد، وهبط بورقة عليها طلبات أطعمة معينة، وخوفاً من ان ينكشف امرهما فإنهما يحاولان تلبية هذه الطلبات ولا يعرفان كيف يلبيانها. وحين يخرج احدهما ويعود يستعد الاول لقتله في الوقت الذي تُسدل فيه الستارة.

وكأن «بنتر» يقول في هذه المسرحية انه لا جدوى من الفرار من الخطر الذي يتهدّد الانسان، فقد يحمي نفسه بجدران سميكة ولكن الخطر يتسلّل اليه من حيث لا يعلم، وقد يكون هذا الخطر كامناً في اعماق الانسان يتحيّن الفرص للقضاء عليه.

والغرفة في مسرحية «حفل عيد الميلاد» في عام «1957» موجودة في بنسيون ويعيش فيها «ستانلي» الذي تحنو عليه صاحبة البنسيون العجوز كأنه ابنها، وهو قانع بحياته في البنسيون.

حيث لم يزره احد خلال السنوات الطويلة، ولكن الزائر الذي يرمز الى الخطر يجيء، وهو في هذه المرّة في صورة غريبين يتظاهران بالبحث عن غرفة، ولكنهما في الحقيقة يبحثان عنه، ويقيمان له حفل ميلاد رغم احتجاجه بأن اليوم ليس عيد ميلاده. وفي الحفل الذي تحدث فيه اشياء غريبة أشبه بالكابوس، يستجوبانه استجواباً مخيفاً ومضحكاً في نفس الوقت.

وبعد ذلك يصطحبانه في سيارة سوداء وقد ارتدى الملابس الرسمية الداكنة وفي يده نظارته التي تحطمت اثناء الحفل. وهكذا يستغل هارولد بنتر صورة الغرفة ومَن فيها، وما توحي به من مواقف مختلفة، والعلاقة بين عالم الفرد الخاص داخل الغرفة، والعالم المخيف خارجها الذي يأتي عنه الإرهاب والاستجواب، والذي يقضي على حريته وحياته.

وفي مسرحية «الحارس» التي جعلت منه كاتباً مرموقاً، وعُرضت بنجاح كبير على مسارح لندن. وفي هذه المسرحية يتطوّر «بنتر»، فهو لا يلجأ الى الابهام المتعمد كما ان رؤياه تزداد عمقاً ووضوحاً. تدور احداث هذه المسرحية الطويلة حول ثلاثة اشخاص، فهناك الأخان «ستون وميك» للاول طبيعة الشعراء، طيب القلب ويعيش في عزلة عن الآخرين.

ونعرف انه أُدخل مستشفى الامراض العقلية كي يعالج بصدمات كهربائية. اما الأخ الثاني، الأصغر، فله دراية كبيرة بالحياة والناس. وحين تبدأ المسرحية نرى «ستون» وقد عاد الى منزله القديم المتداعي مصطحباً عجوزاً كان قد أنقذه من معركة في أحد المقاهي، وجاء به الى غرفته - شفقة به - ليمضي ليلته.

أما المتشرد فهو انسان غريب الاطوار، به صلف كريه وغرور وحب استطلاع وبالرغم من انه بلا مأوى، إلاّ انه يشعر بأهميته وبأنه أسمى من غيره، فهو يعلن انه لا يمكن ان يسكن في بيت فيه ملونون. وينصب «ميك» فخاً لـ «ديفيز»، اذ يُوهمه بأنه يثق به وانه يريد ان يجعله حارساً لهذا المنزل الذي يمتلكه.

وحينما يعرف «ديفيز» ان «ميك» هو الاقوى وهو صاحب المنزل وصاحب الامر والنهي، يبدأ في التقرّب اليه وتملّقه، ويبدأ في الاقلال من شأن «ستون» واتهامه بأنه مجنون، والى جانب ذلك يحاول الايقاع بين الاخ وأخيه معتقداً انه بذلك يقوّي مركزه ويستطيع ان يحصل على غرفة لنفسه، ولكن الأخين يطردانه بعد ان يكتشفا امره. وهنا نرى صراع المتشرّد من اجل حجرة يعيش فيها وفشله في ذلك، وهو فشل يؤدي اليه ضعفه.

ويربط بعض النقاد بين طرد «ديفيز» من المنزل الذي كان يمكنه العيش فيه سعيداً، وبين طرد «آدم» من الجنة. ويؤيد هذه النظرية ان ضعف «ديفيز» يرمز الى الضعف البشري عامة. وتشير المسرحية الى وحدة الانسان والى انعدام التفاهم او اللغة المشتركة بين الناس، فكما ان «ر ستانلي» في حفل عيد الميلاد يضيق بعطف صاحبة البنسيون عليه، بل يسخر منها في قسوة، لأنه يفهم حقيقة مشاعرها، فإن شخصيات «الحارس» تعاني من هذه العزلة الداخلية وخاصة «ستون» الذي نرى فيه رمزاً للانسان الشاعر في العصر الحديث.

لم يفهمه أحد ولذلك أدخلوه المستشفى ليشفوه من بصيرته التي تجعله يرى بوضوح ما لا يراه الآخرون واتهموه بالهلوسة لأنه كان يتحدث اليهم حديثاً أعلى من مستواهم. وفي مسرحية «العودة» عام «1965» يعود «بنتر» الى اسلوبه الشديد الغموض مرة ثانية، فإلى جانب تصويرها لإشخاص غير طبيعيين فهي تقدّم لنا انساناً تدفعه غرائزه وتحاول استكشاف أعماق هذا الانسان في مجتمع تفككت فيه روابط الاسرة وغابت عنه الشخصيات التي تدل على هذه الروابط - كشخصية الأم - التي حلّت محلها شخصية جمعت بين الأم والزوجة والعاهرة.

غير ان مسرحية «العودة» خلت من العناصر التي أدت الى نجاح مسرحية «الحارس». ومن هذه العناصر الجانب الكوميدي، والعنصر الثاني في مقدرة «بنتر» على تصوير الحياة الانكليزية الحديثة بروحها وايقاعها، بمشاكلها اليومية التي يعرفها كل متفرّج. وفي مسرحية «الأيام الخوالي» عام «1971» أعدّ «بنتر» رواية (مارسيل بروست): «البحث عن الزمن الضائع» للسينما.

وهذه المسرحية في الحقيقة هي ذاتها تنويع على هذا اللحن: محاولة استرجاع الماضي ومعايشة أحداثه، فالمرأتان - كيت وآنّا - تسترجعان ذكرياتهما معاً. «ديلي» يحادث كلاً منهما ليتعرّف على خبايا هذا الماضي، هذه الخبايا تنعكس على حياته الحاضرة وعلى ذكريات ماضيه هو ايضاً.

هذا التفاعل الزمني هو لبّ الموضوع، هو التعبير الدرامي عن نسبية الزمن. أما مسرحية «الأرض الحرام» عام «1975» فالناس فيها تائهون يدورون في حلقة مفرغة.. ولا يستطيعون ان يخرجوا من الدوّامة التي يدورون فيها، الطرق مسدودة في وجوههم، والذي يريد أن يقدم على عمل من أعمال الخير سيجد نفسه وقد ضلّ الطريق مثلهم.. هذه هي الأرض الحرام، دنيا هارولد بنتر.

ثم كتب «بنتر» مسرحيته «لغة الجبل» بعد صمت دام أربع سنوات وقام بإخراجها بنفسه حيث عُرضت على خشبة المسرحي القومي في لندن عام «1989» ولعل اول ما يلفت انتباه المتتبّع لمسرح «بنتر» في هذا النص الجديد هو وجهه السياسي الصريح الهادف اولاً، ثم سياسة الاختزال الصارم والتكثيف الشديد التي انتهجها المؤلف، تلك السياسة التي جعلت العرض يستغرق أقل من النصف ساعة على خشبة المسرح، ورغم ان النقد السياسي قد شكّل دائماً بعداً مهماً مضمراً في مسرح «بنتر» منذ البداية، إلا انه لم يطف الى السطح بهذا الوضوح وهذه الصراحة حتى الآن وربما كان السبب في ذلك انغماس «بنتر» في نشاط منظمة العفو الدولية.

رغم ان مسرحيات «بنتر» تميزت بالاقتصاد والكثافة والقصر منذ البداية - شأنه في ذلك شأن الغالبية العظمى من مؤلفي المسرح الطليعي الغربي المعاصر - إلا انه بالغ هذه المرة فجاء القصر الشديد للعرض ملفتاً للنظر ومثيراً للتعليقات. وتنطلق المسرحية، كما يدلّ عنوانها، من اللغة لا كموصل او وسيلة تعبير وتواصل فقط بل باعتبارها موضوعاً شائكاً وساحة صراع ضار، فاللغة هنا تتبدّى في مفهوم حديث كسلاح وهيمنة وحقل صراع ايديولوجي.

جوائز عالمية

حصل هارولد بنتر على عدة جوائز عالمية عن اعماله ونشاطاته السياسية، منها جائزة شكسبير في هامبورغ، الجائزة الاوروبية في فيينا، جائزة بيرانديللو في باليرمو، جائزة لورانس اوليفييه، جائزة موليير، واليوم جائزة نوبل.

بعد ثلاثة ايام من احتفاله بعيد ميلاده الخامس والسبعين مع زوجته الكاتبة «انتونيا فريزر» وفي تصريح له من منزله قال: «اعتقد ان العالم ذاهب الى خسارته إن لم ننتبه الى ذلك، مثلما هو عليه، إنه عالم خطير جداً، وأظن ان بلادي لا تقوم بالشيء الكثير لتحسين شروطه».

د.وانيس باندك