غالبا ما يشعر مشاهدو عروض الفن الجديد بالحيرة، تعبيرا عن صدمتهم. فعروض البينالى للعمارة العالمية الحادي عشر في مدينة البندقية( فينسيا) والتي تعتبر عاصمة العمارة العالمية.
والذي افتتح في منتصف شهر ديسمبر من العام الماضي واستمر حتى منتصف مارس الماضي، وشاركت فيه نحو أربعين دولة، ودعي نحو 100 من أشهر معماري العالم، وضم 50 جناحا عالميا لأكثر من 300 مشاركة معمارية، إضافة إلى 25 تظاهرة معمارية عالمية مرموقة، أحالت الأشياء المعروضة أمام المشاهدين إلى جمال جديد من الفوضى، لم تستجب إليه العين للوهلة الأولى. كما كان الحال في معارض وبينالات الماضي المخصصة لفنون العمارة العالمية، حين كانت متعة التأمل تتكامل بالنماذج البلاستيكية المجسدة المعروضة، اذ لم تذكر الزائرين هذا العام العروض العولمية الجديدة بما أتوا من أجله، الا ان هذه العروض التي تعني بالتفكير المعماري بشكله المحض، تشكل حدثا استثنائيا.
وهي تنفتح أمام العين نحو برمجة إيديولوجية، يمكن التعبير عنها باسم العولمة المعمارية، أنها وحسب ما قال رئيس البينالى السيد باولو براتا، بان بينالى هذه الدورة (هو التحدي بعينه، لانه يقدم وعودا يحملها شعار البينالى: «المعمار ما بعد البناء» .فالعمارة من وجهة نظر باراتا، «ليست بناء فقط، انما هي أيضا، طريقة للتفكير والشعور، وطريقة للكلام حول البناء، فما نريد بنائه يمكن الحصول عليه وبكل سهولة من الانترنيت، ولا يحتاج بالتأكيد إلى معرض ويضيف باراتا نحن اتجهنا إلى البحث نحو شيء جديد ومختلف، من اجل العثور على أساليب معرفية، وهذا هو تحدينا الجديد، لان العمارة ليست تقنية، ولكنها ثقافة.
أفكار معمارية
أي متلقي سيتعامل مع هذه الأفكار بحذر، مع انها ادوات تعبير أولى عن أحجام وفضاءات معمارية. بمعنى آخر التعود على رؤية أفكار معمارية لا تنتج أبنية جاهزة. فالمعماري كما يريده بينالى هذه الدورة يجب ان يكون حكما يقدر الحاضر ويخاطب المستقبل، عبر تصميم محض لشوارع، وجسور، ومدن، ومستشفيات، ومتاحف، ومسارح، ودور اوبران وجامعات، وأبراج، ومجمعات سكنية، وحدائق، ومدن ترفيهية..
الخ . وان كان ذلك لازما كما قرر المشرفون على تنظيم هذه الفعالية الدولية التي تعتبر الأكبر عالميا، من اجل استفزاز الخبرة البصرية لكل القادمين من مختلف أنحاء العالم ليروا تلاقى هذه التيارات، فان هذه التظاهرة الفنية الكبيرة، تنتج مركبا ايدويولوجيا جديدا استحدثته متطلبات الطفرة العقارية العالمية الكبيرة التي شكلت أهم السمات المادية لعصر العولمة.
حيث أدى الزخم المتنامي لهذه الظاهرة، التي تعني بتنظيم المدن وبالعمارة، ولها طموحات انتشار عالمي، بان تجد لها سوق بتقنياته ومواده الحديثة والقدرات الكافية لتعميمه، ليتوافق مع مضامين تاريخية واجتماعية تفرض اشتراطاتها.
فالحياة العصرية تتغير، ولم تعد هناك وصفات بسيطة أو صيغ غير معقدة، فنحن جميعا اينما كنا نعيش في ظل نظام عالمي ليس أمامنا الا الانخراط في خلق ديناميكاته بأشكال فنية جديدة، تتفق وحاجات كل مدينة ومتغيراتها، ومدى قبول فضائها بالمختلف، لتصبح العمارة الجديدة القادمة ألينا بعيدة عن الانكفاء والاحادية والانعزال.
ان الفكر المعماري المعولم الجديد الذي تطرحة هذه التظاهرة بأشكال المسطحات المنتظمة وغير المنتظمة، والمتجانسة وغير المتجانسة، وبوقوفها خارج الاختيار الاجتماعي، او خارج المجال المعماري المرتبط بهذا الاختيار، بثرائها المدهش لعالم الاشكل، بلغاتها التعبيرية الغير معهودة من قبل، فإنها قادرة على تقديم معارف غير مسبوق التعارف عليها قبل اليوم.
وهي إلى جانب هذا تمتلك معرفة كبيرة لقواعد جمالية جديدة، ولها ذائقة جمالية جديدة، هي ان يصبح البناء هدفا لاستثمار مزدوج، يعكس المستويات المعرفية والجمالية والفنية ويبرهن على الرغبة في إظهار الانسجام بين الجوهر والمظهر( المضمون والشكل) وأيضا إظهار الانسجام بين الشكل الداخلي والخارجي بصورته المترفة وبذوق معاصر يساير التطورات الحاصلة في كل مكان بالعالم، كما يساير روح الاستهلاك العام.
السباق والمنافسة
معظم المدن ذات النمو السكاني والسكني المتعاظم تحت المنظار للمعماريين العالميين الكبار يتسابقون في ما بينهم اليوم للفوز بأحد المشاريع العملاقة تزكي أفضلهم إبداعا مباراة تتمثل بهذا المعرض العالمي الكبير الذي يشغل مساحة تقدر بخمسة كيلو مترات مربعة، جاءوا إلى هنا بأعمال الفيديو وبرامج الفيديو شوب واليستراتور والسكانر، لتجمعها صياغات تشكيلية بلغات عدة من خلال، الرسم، الكولاج، وما يقدمه عالم الكومبيوتر، من ابتكارات محررة من اية قيود تتزامن والتحولات الجديدة في الأسلوب الفني، ليسهل جمعها على السطح التصويري بطريقة تثير المتلقي وتحيله من مجال الايهام المنظوري إلى المجال الواقعي والفعلي.
عمارتان
عمارة الطراز العالمي الجديد والتي يطلق عليها هنا عمارة الزمن «النيوكولونيالي» هيأ لها مجموعة من ابرز فناني العمارة بالعالم اغلبهم مهووس بالبيئة المعمارية والفضاءات الواعية التي تخاطب الذهن البشري، وجل اهتمامهم بالبنية الهيكلية داخل بيئة عالمية يفترضون بأنها متشابهة، وليس من قلبها بهواجسها الإنسانية.
وفي تجلياتها الإبداعية، لترسم تحولا جذريا في مفهوم المشروع المعماري الواقعي بكل تعقيداته وانبهاراته، والذي يقع بين عالمين متفاوتين بالقدرات والأدوار والقوة والثروة والإنتاج والاستهلاك والتبعية، العالم الأول هو، مجتمعات التكنولوجيا العالية او المجتمعات الرقمية، اما العالم الآخر فهو المجتمعات المستهلكة والتابعة، فالأولى تنتج كما يطرحها هذا المعرض، عمارة منمطة كأنماط الأزياء.
فهي تحولت في السنوات الأخيرة إلى قيمة ثقافية دائمة، لها تعابيرها ورموزها، تنتهك الأمكنة البكر وتعيد إنتاج الفراغ فيها لتولها وتأهلها لتكون مصدر لحماية انسان المستقبل بلذاته ورغباته وثقافته، اما الجانب الاخر المستهلك فهو المجتمعات التابعة والقابعة تحت رحمة السوق المعولمة والغارقة بكل مواصفات التبعية.
والتي لا تزال مرتبطة بروحيتها بالقيم الحضارية والبيئية التي تشكل عمق وجودها التاريخي يجيء هذا المعرض الفني لإزالة الالتباس الذي ربما تركته فينا صورة العمارة التقليدية التي نعيشها الآن، ولترسم لنا عمارة المستقبل التي يطلق عيها «الطراز العالمي الجديد» الموحد اللباس، ليتم زرعه تباعا في إرجاء المدن الأوروبية المتورمة، لتطمس هويات وقناعات، وتلغيها او تلحقها في مقوماتها المعولمة إلى بلدان المركز.
عمارة متغطرسة متكوكبة، متعددة الأنماط والمدارس (ما بعد الحداثة، التفكيكية، المينيمالية، التعبيرية الجديدة، الايكولوجية، والمؤقتة،.. الخ من النظريات، أنيقة الكتل، منظمة الأحجام، متناسقة القياسات ذات قطب واحد، يدعي أصحابها أنها لكل الأزمنة والأمكنة! .
ان في هذا الكثير من الغرابة، اذ كيف يتم الحديث عن توافق واتفاق لعمارة في كل الأزمنة والأمكنة، واين يوصلنا مفهوم الزمان والمكان؟ فالمكان يتحدد بناسه وطبائعهم وعاداتهم وتقاليدهم، يتحدد بإنسانيتهم وبيئتهم الاجتماعية، وبجذرهم التاريخي وتطلعاتهم وبهويتهم الوطنية والقومية، وبكل ما يصنع خصوصيتهم، والحالة هذه فإن الأمكنة لا يمكن ان تتشابه، ولا يمكن الحديث عن عمارة واحدة لكل الأمكنة، لان اي عمارة لا يمكن ان تبني نفسها خارج الهوية القومية والحضارية والثقافية لأي قوم بشري.
طرق التقنية
اغلب النماذج التي تعرضها أجهزة الفيديو شوب والكورال واليستراتور، تحاول القول، إن هناك طرقا عديدة تتبعها هذه الجمهرة من المعماريين المعاصرين لاستخدامها كأفكار لأشكال جديدة لا تعرف الانضباط وتكشف عن المغاير لعلاقاتنا بالفضاء والمساحة.
او كما يطلق عليه باللغة المعمارية تسمية «المشروع المعماري» والذي نضجت معالمه مع بدايات عصر النهضة في ايطاليا، وازدهر بفعل الثورة الصناعية في الغرب التي طورت الحاجات والتقنيات ووسائل التشييد والبنيان، ومن ثم الفترة الكونيالية والامبريالية، وبعد ذلك العولمة.
او ما يطلق عليها اليوم بـ «الكونيالية الجديدة»، اذ ان العولمة كمصطلح، ليست سوى الشكل الراهن، لسيطرة رأس المال على العالم. وهذا المشروع المعماري الجديد، يحتوي على المهارات المهنية، والوسائل التقنية، والمالية، والإدارية.. وغيرها، التي من شأنها ان تجعل إقامة العمارة، فعلا ممكنا. في الموقع الجغرافي بمناخاته وتضاريسه وتوجهاته ووظيفته وعلاقاته بالمحيط الذي يتشكل فيه.
المنافسة الحادة
معظم المدن ذات النمو السكاني والسكني المتعاظم تحت المنظار للمعماريين العالميين الكبار امثال(تشارلز مور، روبيرت فنتوري، مايكل غرايفس، جيمس سترلنغ، بيتر ايزنمن، برنارد تشومي، زها حديد، انطوان بريوك، لويس راغمان، ماتيس غوريتز، هانس شارون، بارت رنس، فيليب ستارك، سانتياغو كالاتراف، مايكل هوبنكز، تادو اندو، ريكاردو ليغورتا، لوتشو كوستا نيميير، خوسيه لويس سرت، جيفري باوا... وغيرهم، من الذين يتسابقون في ما بينهم اليوم للفوز باحد المشاريع العملاقة تزكي أفضلهم إبداعا .
موسى الخميسي

