تعتبر رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للروائي السوداني الراحل الطيّب صالح، رحل في الروايات الإشكالية التي يمكن للدارس أن يتوقّف مطوّلاً عند الكثير مما تطرحه من قضايا، كانت وما زالت مجال حوارات مستفيضة في المشهد الثقافي والسياسي العربي والأوروبي.

وتأتي موضوعة الاستعمار ومؤثّراته في رأس قائمة هذه القضايا، نظراً لما استتبعه من عنف متبادل بين الطرفين، ليتدحرج هذا العنف على شكل كرة نار جهنمية عصفت بالشخصيات وقيمها الإنسانية الأسمى، ألا وهي قيم الحبّ والتسامح والتعايش الخلاّق بين الأمم.

وليؤكّد الروائيّ وجهة نظره من خلال شخصياته التي تنقّلت ما بين الجنوب والشمال، حاملة معها قلقها وغربتها وإرثاً من العداء للغرب كغرب وللحداثة عموماً، نظراً لأنّ المرحلة التي كُتبت فيها الرواية، كانت تضجّ بأفكار ثورية دعت للخلاص من الاستعمار وتبعاته، ومنها على سبيل المثال أفكار فرانز فانون.

وكلا البطلين كما سيلاحظ القارئ أنهما عانيا هناك من حالة اغترابية أثّرت عليهما نفسياً وسلوكياً، إذ يقول سارد الرواية في أكثر من موضع، أنه عمل ثلاث سنوات منقباً في حياة شاعر إنجليزي مغمور، وبالتالي فإنه عاد إلى بلاده، وهو أكثر اقتناعاً بأهميتها سواء في علاقات العمل الفلاحية البسيطة، أو في طيبة أهلها وعلاقاتهم الاجتماعية المليئة بالدفء.

وكان مصطفى سعيد البروفيسور في الاقتصاد قد توصّل إلى هذه النتيجة قبله وعاد إلى القرية لعيش حياته كفلاح حقيقيّ. والدفء الذي يقصده السارد وبأبعاده الاجتماعية والثقافية، سيقابله الصقيع هناك: الغربة والوحشة وانتفاء العلاقات كنتيجة طبيعية للانكماش الثقافي تجاه الآخر، ولذلك فإنه عبّر عن نفسه بـ «مجرد ريشة في مهب الريح»، بينما هنا في السودان هو نخلة تمتدّ جذورها عميقاً في الأرض، وتعطي ثمرها.

أما مصطفى سعيد، فقد كان عليه منذ بداياته الدراسية الأولى الاستجابة لمنطق العنف الثقافي، حيث إنه اضطر إلى تعلّم الإنجليزية مبكّراً حتى بات ينطقها كأهلها، وقد لقي حماسه هذا استحساناً كبيراً من قبل المشرفين عليه، حيث يصفه سارد آخر كان زميلاً له في المدرسة: «كان نابغة في كلّ شيء، قطع مرحلة التعليم قفزاً، كان ابن الإنجليز المدلل، وكنا جميعاً نحسده.. كنا نطلق عليه اسم الإنجليزي الأسود..» وبالتالي كانت مكافأته كبيرة بأن أرسل لاستكمال دراساته إلى لندن، وهو لا يزال في الخامسة عشرة من عمره.

وإذا كان مصطفى سعيد مغلوباً على أمره في هذه المعادلة الصعبة فرضخ لشروطها، إلاّ أنه سوف يعاني هناك ذات المعاناة التي رواها السارد، فهو بالرغم من شهرته في مجال الاقتصاد لم يتمكّن من الدخول إلى قلب هذا العالم المغلق بوجهه وأمثاله من مثقفي العالم الثالث، ولذلك فإنه سيعبر عن رفضه له وتعاليه عليه ليتّخذ من العنف، غير المبرر، وسيلة للانتقام من الحضارة الغربية، سيما وأن هذا العنف اتّجه نحو النساء، باعتبارهنّ الطرف الأضعف في معادلة الصراع بين الشرق والغرب.

حيث إننا وعلى مدار الرواية نلتمس مصطفى سعيد منقّباً الأمكنة باحثاً عن «طرائده»، كصيّاد افترسه الجوع الجنسي، فتسبَبَ سلوكه هذا في انتحار فتاتين وحطّم امرأة متزوجة، ثمّ في النهاية قتل زوجته، وبتعبيره: «قتلتها أنا.. أنا صحراء الظمأ.. أنا لست عطيلاً، أنا أكذوبة» وقد تكررت تعابير «الصحراء» و«الصحراوي» و«العطش» كثيراً في سياق سرده، ليخرج قارئ الرواية بانطباع مؤسف، عن مثقفي العالم الثالث وآلية فهمهم في تلك الآونة لظاهرة الاستعمار .

وفي هذا السياق، لا أظن أن إن ردّة فعل مصطفى سعيد المتمثّلة بإشباع رغباته الانتقامية عن طريق إغواء النساء، ومن ثمّ معاقبتهنّ سواء بالإهمال والهجر أو القتل، تمثّل حالة عامة للمثقفين العرب الذي قصدوا أوروبا للدراسة.

أو هاجروا بغرض الإقامة، وإنما هي حالة خاصة اقتضاها بناء الشخصية الروائي لأجل تفعيل الأحداث وتصعيدها درامياً، دون الأخذ بعين الاعتبار أثر هذه السلوكات غير المبررة، حتى ولو كانت موجهة ضدّ المستعمر، إذ ما ذنب هؤلاء الفتيات اللاتي عشن مرحلة الحرب العالمية، وخرجن، كجيل جديد منها، بأفكار مشبعة بالإنسانية حول التحرر والانفتاح على العالم، أن يعاقبن على هذا النحو من سكان المستعمرات؟

وستؤسس هذه المقالة لكثير من الآراء التي جاءت بعدها في ما يخصّ ثنائية غرب/شرق، ولكن أحداً لن يلتفت إلى تأثّر الطيّب صالح بالثقافة الغربية والرؤية الاستشراقية حول مسألة العنف الجنسي، وتصوّراتها عن الشخصية الشرقية، ودليلنا على ذلك سعيه إلى استعادة روح «عطيل» شكسبير، ومن ثمّ زجّه في تراجيديا الغيرة، لتأكيد مقولة البعد النفسي لسلوكه العنيف كشرقي جنوبي أفريقي، بمعنى أنه أعاد إليهم نموذج «عطيل» كغاز لديارهم، وليس قائداً من قوّادهم: «كنتُ أعلم أنها تخونني. كان البيت كلّه يفوح بريح الخيانة.

وجدتُ مرّة منديل رجل، لم يكنْ منديلي. سألتها فقالت: إنّه منديلك. قلتُ لها هذا المنديل ليس منديلي. قالت:هبْ أنه ليس منديلك. ماذا أنت فاعل؟» وما سيفعله هو القتل، إذ إنه بعد كلّ هذه الفترة التي أمضاها هناك، كان يخال نفسه في معركة دائمة بينه وبين الأنوثة «غرفة نومي صارت ساحة حرب.. أقضي الليل ساهراً، أخوض المعركة بالقوس والنشاب والسيف والرمح، وفي الصباح أرى الابتسامة ما فتئت على حالها، فأعلم أنني خسرت الحرب.»

وفي الختام، يمكننا القول، انه إذا كانت رؤية المؤلّف الفكرية مشوّشة ومضطربة على نحو ما حول ظاهرة الاستعمار والعلاقة بين الشرق والغرب في بعدها الإنساني، إلاّ أن روايته تعتبر من أوائل الروايات التي تناولت ظاهرة مثقف مأزوم.

في تلك المرحلة التي كانت تعجّ بالأفكار التحررية، إلاّ أنه، مع الأسف، لم يتمكّن من فهم بعدها الإنساني فـ «عاش على السطح من كلّ شيء» بتعبير سارد الرواية العائد إلى بلاده بلهفة الغريب، ولكنه بعد ذلك سوف يعيش على السطح أيضاً، لأن «محجوب» ورفاقه من الفلاحين، كانوا قد مضوا بعيداً في ترتيب شؤون البلد بقدر ما أتاحته الظروف المجتمعية والسياسية لهم.

الطيب صالح في سطور

* ولد الطيب صالح أديب سوداني عام ( 1929م ) في إقليم «مروى» شمالي. عاش مطلع حياته وطفولته في ذلك الإقليم، وفي شبابه انتقل إلى الخرطوم لإكمال دراسته فحصل من جامعتها على درجة البكالوريوس في العلوم. ثم سافر إلى لندن حيث واصل دراسته، وغيّر تخصصه إلى دراسة الشؤون الدولية.

* عمل الطيب صالح لسنوات طويلة من حياته في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية، ثم عاد إلى السودان وعمل لفترة في الإذاعة السودانية، ثم هاجر إلى دولة قطر وعمل في وزارة إعلامها وكيلاً ومشرفاً على أجهزتها. ثم عمل بعد ذلك مديراً إقليمياً بمنظمة اليونيسكو في باريس، وممثلاً لهذه المنظمة في الخليج العربي.

* كتب روايات عدة منها: بندرشاه (ضو البيت)، دومة ود حامد، عرس الزين، بالإضافة إلى موسم الهجرة إلى الشمال وهي أشهرها.

ظلم المستعمر

إذا كان المستعمر الإنجليزي الذي احتل السودان، قد مارس أنواعاً مختلفة من العنف ضدّ الشعب السوداني المقاوم، فإنه في الوقت نفسه مارس عنفاً لغوياً وثقافياً، بات معه مستقبل الأجيال الجديدة مرتبطا بثقافته وباللغة الإنجليزية.

وهذا ما حصل لبطلي الرواية الدكتور سارد الحكاية الذي عاد من إنجلترا بعد سبع سنوات أمضاها هناك، ونال شهادة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، ومصطفى سعيد بطل الرواية؛ الشخصية الروائية الإشكالية، الذي بدوره حصل على الدكتوراه في مجال الاقتصاد، ثمّ عمل هناك أستاذاً في الجامعة.

عزت عمر