تجمع البستكية بين جماليات تاريخ يعود لأكثر من قرن مضى في فنون العمارة للبيوت القديمة، وبراجيلها الممتشقة للهواء والزخارف الشرقية والأزقة الضيقة المتداخلة المظللة، والأفنية الداخلية الرحبة والمحدودة، وجماليات الفن البصري المعاصر الجامع الشامل لكل أنواع الفنون التشكيلية والتطبيقية.

كانت البداية قبل سنوات وسنوات، حينما شرّعت البستكية أبواب بيوتها القديمة لجماليات الفن المعاصر، فاحتضنت جدرانها لوحات لفنانين من أقاصي الشرق والغرب، وتصدرت الأواني والمشغولات الخزفية أرفف تجاويف الجدران، واحتفت أفنيتها وساحات أحيائها بأعمالهم النحتية، وظللت أشجارها مقاعد خشبية تعبة تردد أصداء القصص التي كان يرويها «الشواب» للصغار عبر أجيال وأجيال. وللتعرف على أجواء صالات العرض المتواجدة في البستكية والتي يتزايد عددها مع نهضة الفن وازدهاره في دبي خلال السنوات الأخيرة، ، قام «مسارات» بجولة فنية على حي البستكية حيث رصد بعض ما تقدمه الغاليريات من معارض وأنشطة وخدمات فنية أخرى، مثل عروض لأفلام سينمائية ومطبوعات مختصة في الفن كالكتب والمجلات الدورية إلى جانب ما يحتاجه الفنانون من أدوات ومعدات.

«رسامو الجمعة» أول صالة عرض للفنون التشكيلية احتفت بها دبي والبستكية، هي «مجلس غاليري» التي تقع على الشارع العام. كانت البداية كما ترويها أليسون كولينز، لدى زيارتها لذاك البيت الكائن في البستكية عام 1976 وإعجابها الشديد بفنه المعماري. ولم يمض العامين حتى استأجر زوجها البيت من مالكه عبدالله أميري الذي شيده عام 1930 وسكنا فيه. و تواصل كلامها: سرعان ما تحول بيت العائلة إلى ملتقى لمحبي الفن والفنانين، وشكلوا فيما بينهم مجموعة أطلقوا عليها اسم «رسامو الجمعة» وذلك لذهابهم أيام الجمع في نزهات إلى مناطق بعيدة في الصحراء للرسم.

وتتابع روايتها لتقول أنها حولت وزوجها الغرف إلى صالة عرض للوحات الأصدقاء. وبصورة غير مباشرة تحول البيت إلى غاليري عام 1979، وعرض فيه آنذاك عدد من الفنانين الأصدقاء المقيمين وبعدها من الخارج بين الحين والآخر. وأول معرض نظمته أليسون كان للفنان البريطاني الرحالة جوليان مارو الذي اشتهر برسم المشاهد الطبيعية والمدن.وحينما أرسلت البلدية طلب الإخلاء عام 1988، انتقلت العائلة إلى مكان آخر وبعد مضي فترة من الزمن اقترحت أليسون على صاحب البيت أميري أن يكون شريكا لها في تأسيس صالة عرض للفنون التشكيلية في البيت نفسه. وهكذا تأسست صالة «مجلس غاليري» للتحف الفنية رسميا عام 1989. ومنذ ذلك الحين تجاوزت الغاليري العديد من الأزمات والمحن من تداعي البيت قبل ترميمه من البلدية إلى فترات الركود الاقتصادي كفترة حرب الخليج وغيرها.

وتنظم الغاليري ما يقارب من 6 إلى 7 معارض فنية في العام الواحد إلى جانب المطبوعات الفنية والتحف والسيراميك وبعض قطع الأثاث التي تعتبر كل منها عملا فنيا بحد ذاته.

ما ينشده الفنان

ثاني غاليري افتتحت في البستكية هي «إكس. في. إيه. عام 2003، وقد شيد البيت أحمد قاسم الصديقي عام 1960. وتضم فندقا صغيرا من تسع غرف يوفر للفنانين الأجواء التي ينشدونها. أما الفناءان الواسعان للدار فيستوعبان المجسمات النحتية الضخمة إلى جانب ورشات العمل. كما يتم تحويل أحد الفناءين في المساء إلى صالة عرض سينمائية مفتوحة خلال أيام الخميس في موسم الشتاء.

حيث يتم عرض مجموعة من الأفلام المنتقاة التي تجمع بين المضمون والإبداع الفني الذي يحفز المتلقي ويشحذه بالإلهام ويدفعه إلى التأمل في شؤون الحياة. كما تنظم إدارة الغاليري معرضا سنويا للفن في البستكية في شهر مارس والذي يتزامن مع معرض آرت دبي السنوي.

ويشمل الغاليري مطعما نباتيا ومقهى حاز على جائزة أفضل مقهى في دبي العام الماضي، حيث يمكن للزائر أن يأخذ استراحته في الفناء الأول الواسع. ومع كوب الشاي أو القهوة يجول ببصره بين أرجاء الغرف الواسعة المحيطة به، والمشرعة الأبواب لتطل على الناظر مساحات لونية للوحات عديدة، وعودة إلى شجرة الكينا التي تأخذ مكانها في ركن جانبي من الفناء، والمزينة بمعلقات زجاجية توحي للناظر أنه أمام ثريا تجمع بين الكريستال والطبيعة.

كما يمكن للزائر الحصول على المطبوعات الفنية الدورية والكتب وبعض مستلزمات الفن من بيت «الديوانية» المجاور وهو صالة عرض تابعة لإكس. في. إيه.

«إبداع» وشباب الإمارات

من زقاق إلى زقاق نصل إلى صالة «غاليري إبداع» التي افتتحت في الشهر الأول من العام الجاري من قبل الفنان الشاب والمصور الفوتوغرافي الإماراتي راشد البلوشي. التقى به «مسارات» خلال إعداده للصالة. وقال البلوشي أنه يمارس هواية التصوير منذ 23 عاما، وما ساعده على افتتاح صالته لعرض أعماله الفنية هو المساعدة التي تلقاها من مؤسسة محمد بن راشد لدعم مشاريع الشباب.

أما عن اختياره لمنطقة البستكية فيقول أنها تتوافق مع رؤيته الفنية حيث تمثل صوره بيئة وتراث الإمارات، وأفاد أنه يملك مجموعة من الصور توثق تاريخ مرحلة لم يعد لها استمرارية، مثل صورته لسوق البهارات قبل منع عرض البهارات على الأرصفة بهدف حمايتها من تلوث السيارات.

في «سوار» تحف وفن

يتجلى في غاليري «سوار» عبق وسحر الشرق من بلاد وحضارة الفرس التي اشتهرت بفن الخزف والرسم والخط، وفي ركن من الغاليري المحتشد بتحف فنية قديمة وحديثة بما فيها آلات موسيقية محلية وقطع أثاث مصنوعة باليد، تجلس الفنانة الإيرانية الشابة سافوره أساديان بوشاحها القطني وابتسامتها الهادئة ترسم إحدى لوحاتها المتمثلة بفن رسم الزهور والطيور.

من الغرب إلى الشرق

من سحر الشرق إلى الغرب وغاليري «غاي فليشي» التي افتتحت في شهر يناير الماضي، لتكون فرعا جديدا لمقر الغاليري الرئيسي في الولايات المتحدة. يتميز بيت الغاليري أنه الوحيد الذي يمتلك في فنائه شجرة نخيل سامقة. والنظر إلى تلك الشجرة بحد ذاته متعة تفوق أية لوحة فنية ، إذ يزداد جذعها تجذرا في الارض و تتعملق أغصانها علوا نحو السماء فتتجاوز أرتفاع البراجيل مذكرة بأسطورة شجرة اللبلاب، ملامسة سعف الشجر المجاور المنتشرة حولها كالمروحة أو كمظلة القمر.

وأسوة بالغاليريات الكبرى فإن المعارض التي تنظمها الغاليري تمتد على مدار العام ، وقال غي فليشي أنه يفضل اختيار الأعمال من مراحل زمنية مختلفة، ويميل إلى تنظيم المعارض الفردية وذلك ليمنح المشاهدين ومقتني الأعمال الفنية معرفة شاملة بنوعية أعمال الفنان، بعيدا عن الانطباع السريع في المعارض الجماعية الذي لا يحمل دلالات أو انطباعات صحيحة.

وكما لكل لوحة قصة فلكل عمل في الجاليري حكاية أيضا. ويروي غي قصة ولادة فكرة اللوحة المعدنية «الظلال المسافرة» المعروضة في فنائه، التي بدأت في شهر أكتوبر من العام الماضي حينما اجتمع في أميركا بالفنان بريان ناش غير وأطلعه على صور لمنطقة البستكية من ضمنها صورة لظلال شجرة السدر في إحدى ساحاتها بجوار الغاليري. وسرعان ما أغرم الفنان بانعكاسات ظلال أوراق الشجرة على الأرض. وفي ديسمبر قدم إلى دبي ونفذ تلك اللوحة وهي بارتفاع 2،44 وعرض 8,4 امتار. ويمكن في للناظر فيما يقارب الساعة الثالثة والنصف عصرا أن يشاهد التماثل بين انعكاس ظلال الشجرة على الأرض وتكوين اللوحة.

جماليات من طبيعة المكان

خلال التجوال بين الأزقة بحثا عن بقية صالات العرض، يلتقي الزائر بين الحين والآخر بمجموعات من السياح إما من المتقدمين في العمر الذين يتجولون في المنطقة بهدوء وتأمل، أو قافلة من السياح الشبان الذي يعبرون الأزقة الضيقة فرادى على دراجاتهم وخوذاتهم الواقية، ويخال للناظر أن رتلهم الخارج من إحدى منعطفات الأزقة لن ينتهي. ورؤيتهم بحد ذاتها لوحة فنية تسر العين والخاطر، فألوان ملابسهم وخوذاتهم والابتسامة التي تعلو وجوههم تشيع في النفس الحيوية والفرح.

رشا المالح