ازدهرت في الآونة الأخيرة ظاهرة الرسم والكتابة على الجدران في البلدان الأوروبية، وأخذت أيدي المحتجين والمشاغبين طول جدران المترو ووسائل النقل والبيوت والأبنية الخاصة والعامة بالكتابات الاجتماعية والسياسية. كما بدأنا نشاهد أساليب ترويجية مبتكرة تلجأ إليها شركات الاعلان في بلادنا منها تخصيص جدران عملاقة للرسوم والكتابات، أو تسيير سيارات ذات لون وموديل موحد تحمل صوراً ورسومات تدور في شوارع المدن بلا ضجيج أو ضوضاء، لترويج الفكرة المطلوبة إضافة للوسائل الترويجية التقليدية المعتمدة في الشاشات وغيرها.

تُعتبر الرسوم الجداريّة، بشكلها البسيط والعفوي، أولى محاولات الإنسان، لاستخدام لغة الشكل والإشارة واللون، للتعبير عن هواجسه وتطلعاته ومخاوفه وما يعتمل في داخله، تجاه مظاهر الحياة المختلفة حوله، طبيعيّة كانت أم حيوانيّة أم إنسانيّة. على هذا الأساس، يمكن اعتبار ما تركه إنسان الكهوف والمغائر فوق جدرانها (وكانت سكنه الأول) من رسوم وصور لجأ إليها لأكثر من سبب، أولها تزجيّة الوقت، لاسيما في الأيام التي كان مضطراً فيها للمكوث في كهفه أياماً وأسابيع، نتيجة وجود ظروف طبيعيّة لا تسمح له بالتنقل والبحث عن رزقه، وثانيها التوثيق لمشاهداته اليوميّة.

واستعادتها بالخطوط والألوان، بغيّة التودد للكائنات اللطيفة التي تخدمه، وتقديم الشكر لها، لكي تستمر في خدمته، ومحاولة اتقاء شرور المتوحش والخطير منها، حيواناً كان أم ظاهرة طبيعية خارقة، لم يتمكن من فهمها آنذاك، كالعواصف والبروق والفيضانات والبراكين .. وغيرها، فبالرسم ومن خلاله، كان إنسان الكهوف، يحاول السيطرة عليها، وتحصين نفسه من خطرها، أو التودد إليها لاتقاء عنفها الذي شعر فيه تهديداً مباشراً لحياته. هذه الدوافع والغايات التي كانت وراء رسوم إنسان الكهوف، لم تتغير كثيراً، عن الحوافز التي دفعت الإنسان في مراحل تطوره المختلفة، وصولاً إلى أيامنا هذه، للتعبير بوساطة الخطوط والألوان والعبارات (لاسيما تلك المُنجزه على عجل، وبنوع من التلقائيّة) فوق جدار، أو صخرة أو جذع شجرة.

فباستثناء اللوحات الجداريّة المدروسة عناصرَ وموضعاً، والمنفذة بتقانات لونيّة مقاومة لعوامل الزمن، كالفسيفساء والمينا والفريسك والخزف، أو بالنحت الغائر والبارز، فإن الرسوم و(الخربشات) العجلى، فوق الأسوار والجدران والصخور، تأخذ أبعاداً ودلالات مختلفة، تتجاوز مفهوم التأريخ، أو التوثيق، أو التزيين والتجميل، إلى شكلٍ من أشكال الاحتجاج، والنرفزة، وتسجيل موقف، ضد ظاهرة اجتماعيّة، أو سياسيّة، أو اقتصاديّة، لا تروق لمنفذ الرسوم، التي قد نجدها، على جدار بيت، أو بنايّة، أو فوق لوحة توجيهيّة.

أو على ملصق، أو عمود، أو على سيارة، وحتى فوق الأجساد الإنسانيّة، ذلك لأن الأوشام، هي الأخرى، أشكال ورسوم ذات دلالات احتجاجيّة أو تودديّة، وهذه الصفة الأخيرة، قد تحملها بعض الرسوم والكتابات التي تأتي قي أماكن محددة، يملكها الإنسان، كواجهات الأبنية ووسائل النقل والدفاتر والكتب والحلي، أو فوق جدران أماكن مشهورة قام بزيارتها، للسياحة أو التبرك.

لقد تحوّل هذا السور، من الجهة الغربيّة، إلى أكبر لوحة جداريّة في العالم، لكثرة ما حمل من رسوم وعبارات وأشكال وخطوط وألوان، قد لا يربطها موضوع محدد، أو تقنية خاصة، أو أسلوبيّة معينة، لكنها تلتقي في التعبير عن موقف صاحبها، تجاه هذه الظاهرة الهجينة، وهو ما تكرر حدوثه، تجاه جدار الفصل العنصري الذي بنته إسرائيل، والذي أصبح مجالاً رحباً، للفلسطينيين والأجانب، لتسجيل احتجاجاتهم عليه وعلى العقلية التي أوجدته.

والسخرية من قصر نظرهم وعدم استفادتهم من دروس التاريخ التي أكدت، أن الأسوار، ومهما علت أو دُعّمت وقُوّيت، لا تقدر على الحماية، ولا توفر الأمان والسلام، وأن مصيرها دوماً، الانهيار والسقوط والإزالة، وسور برلين خير شاهد قريب على ذلك.

في زيارتي الأخيرة إلى ألمانيا، لفت انتباهي تنامي ظاهرة الرسم والكتابة على الجدران: جدران المترو ووسائل النقل الأخرى، والبيوت، والأبنية الخاصة والعامة، والأسوار، وكل ما تطوله يد هؤلاء المشاغبين العابثين المحتجين على جملة من الأمور والقضايا الاجتماعية والسياسيّة، لاسيما بعد التحول الكبير الذي أحدثه انهيار سور برلين وتوحد الألمانيتين.

وما رافق ذلك، من إشكالات الانتقال السريع لمواطني الجزء الشرقي من ألمانيا، من مجتمع اشتراكي له إيقاعه الحياتي الخاص، إلى مجتمع رأسمالي نسوه أو كادوا، الأمر الذي أحدث ردود فعل متباينة وحادة بين أفرد المجتمع الألماني في الجزأين، فالكثير من الشرقيين لم يتأقلموا مع النمط الحياتي الجديد، والكثير من الغربيين، تأذوا من الفيضان البشري الذي جاءهم من القسم الشرقي، ليقاسمهم حياتهم، وبأسلوب ونمط جديدين.

الجيل الألماني الشاب الذي وجد نفسه أمام واقع جديد، عبّر عن هذه التناقضات بالرسوم والعبارات التي كما صرح مسؤولو البلديات في عدد من المدن الألمانية، تحتاج عملية إزالتها إلى ملايين اليورات، لكثرتها ولاستخدام منفذيها أحبار وألوان ثابتة ومقاومة، ثم إنها لم توفر مادة أو خامة إلا وطاولتها، بما في ذلك جدران الإسمنت، والحجر، والرخام، والخشب، والمعدن، ما تتطلب عملية التخلص منها، معالجات خاصة ودقيقة، لضمان إزالتها دون تشويه المكان الذي تشغله.

في بلادنا العربيّة، غلبت ظاهرة الكتابة على الجدران على ظاهرة الرسوم التي اقتصرت في سورية (على سبيل المثال) على جدران المدارس، حيث يقوم التلاميذ بتزيينها برسومهم الملونة، أما الشباب، فقد وجدوا في تسطير العبارات المختلفة، تنفيساً عما يعتمل في داخلهم، تجاه قضاياهم العاطفية الخاصة، كأن يُسطروا اسم عشيقاتهم.

أو القرى والبلدات التي ينتمون إليها، أو القول المأثور الذي يؤمنون به، أو يقوموا بتدوين عبارات تتعلق بقضايا عامة، سياسية واجتماعيّة، كعبارات الانتصار لهذا الحزب أو تلك المنظمة، أو إظهار التبرم ببعض السلوكيات الخاطئة للمواطنين، كرمي الأوساخ في الشارع أو قضاء الحاجة في غير مكانها.

وغالباً ما تأتي هذه العبارات شاتمة ولاعنة ومهددة، تطول الفاعل وأبيه في آنٍ معاً. تعددت غايات وأهداف الرسوم والعبارات التي تأخذ طريقها إلى الجدران الداخليّة والخارجيّة، كما تعددت تقاناتها، فهي تنفذ بالحك أو الحز، أو بالريشة والألوان، أو بالبخ، غير أن هذه الظاهرة بدأت تخف وتتوارى، نتيجة التطور المذهل، لفنون الإعلان الثابتة والمتحركة، وانتشارها الكبير والمكثف، في مداخل ومرافق المدن والبلدات، وعلى (الأوتوسترادات) الطويلة.

ففي حين كان الفنانون التشكيليون يُحيون واجهات الأبنية الواسعة والميتة، بلوحات وتشكيلات تتوافق ونسيجها العمراني، وموقعها، وتحمل غايات جماليّة وفكريّة، تتوافق والوظيفة التي يؤديها البناء، دخلت الإعلانات على هذا الخط، لتأخذ زمام المبادرة، وتحل محل اللوحات التزيينيّة التجميليّة والتوضيحيّة.

بل لقد تسلقت الإعلانات جدران البيوت والبنايات الخاصة، وانتصبت فوق أسطحها، وبأجور مغرية يتلقاها صاحب (أو أصحاب) المبنى بشكل دوري. فبعد أن كان الإعلان مقتصراً على الملصق الجداري الصغير الحجم، المحدود عدد النسخ وأماكن عرضه، انتقل اليوم إلى اللوحات المتعددة الحجوم، الكثيرة النسخ، الثابتة والمتحركة.

كما أصبح للإعلان شركات ومؤسسات كبرى، تتنافس اليوم، على استقطاب مستلزماته الناجحة والمؤثرة، بدءاً من الفنان المصمم، وعالِم النفس والاجتماع، والموديل، وانتهاءً بأحدث تقانات التصوير والطباعة، التي لم تعد حكراً على الورق أو الكرتون، بل طاولت الأقمشة والمواد الصنعيّة البترو ـ كيميائيّة، كالبوليستر والنايلون، والمعادن ... وغيرها.

ما زاد من سطوة فن الإعلان، وتزايد الطلب عليه، وقوة تأثيره في غرائز المتلقي وعقله، اختزاله لخواص ومقومات الفنون البصريّة المختلفة، فقد استفاد من الرسم والتصوير المتعدد التقانات (لا سيما التصوير الضوئي) ومن الحفر المطبوع، والخط، والنحت، كما استفاد من الموسيقا والشعر.

تُضاف إلى ذلك، قدرته السريعة والفائقة، على تمثل الحدث السياسي أو الاجتماعي أو الفني أو الثقافي أو التوجيهي أو الترويجي أو التجاري، ونقله إلى مفردات بصريّة مكثفة وواضحة ومثيرة، قادرة على مغازلة المتلقي من مختلف الشرائح الاجتماعيّة والعمريّة، ومن ثم غوايته وتدجينه، محولةً إياه إلى متلقٍ تسكب قي عقله وغرائزه ما تريد، دون أن يتمكن (في غالب الأحيان) من الرفض أو الاحتجاج، ما يؤكد أننا بتنا في عصر سلطة الصورة النافذة، سواء في شكلها التقليدي الجمالي الساكن، أو الميكانيكي المتحرك.

وما زاد من قوة فعاليتها وتأثيرها وفعلها المشروع وغير المشروع في المتلقي، اتخاذها لوسائل الإعلام المختلفة، وسيلةً ومطيةً، للوصول إليه، أينما كان، متقمصة خصائصه وسماته الاجتماعيّة والسياسيّة والدينية والثقافيّة، ومنتصرة للقيم والمبادئ التي يؤمن بها، ذلك لأن صناعة الإعلان، باتت عملية مدروسة ومعقدة، تراقب وتدرس بإسهاب، البيئة التي تتوجه إليها، ومن ثم تستل منها، الأشكال والمفردات والرموز والإشارات المناسبة لتوظيفها في الإعلان، بهدف ضمان تقبل مجتمع هذه البيئة له، عبر الصيغة الشكليّة التي استعارها منها، والمأخوذة بعناية شديدة، ودراسة مسهبة، لمدى قبول (أو رفض) إنسان هذه البيئة لها واستساغتها، والتفاعل (أو عدمه) معها، ومن ثم للتمرير عبرها الأهداف والغايات المناطة بالإعلان، وهي بالتأكيد ليست كلها تجاريّة تسويقيّة أو نبيلة الهدف والغاية!!.

تنفيس الاحتقان

وجد بعض الشباب في تسطير العبارات المختلفة، تنفيساً عما يعتمل في داخلهم، تجاه قضاياهم العاطفية الخاصة، كأن يُسطروا اسم عشيقاتهم، أو القرى والبلدات التي ينتمون إليها، أو القول المأثور الذي يؤمنون به، أو يقوموا بتدوين عبارات تتعلق بقضايا عامة، سياسية واجتماعيّة.

تدوين الاعتقال

ثمة ظاهرة تلفت الانتباه، هي تدوين زوار الأماكن المعروفة كالمزارات والآثار، أسمائهم، وتاريخ زيارتهم لهذا المكان، وهو ما يفعله أيضاً، نزلاء السجون والزنازين، الذين يحاولون تثبيت ارتباطهم بالزمن، من خلال قيامهم بتدوين دخولهم المعتقل، والأيام أو الشهور أو السنين التي أمضوها فيه، وبعضهم، يتخذ من جدران السجن، وسيلة تفريغ واحتجاج، على ما آلت إليه حالته.

د. محمود شاهين