يقدم كتاب «السلع المزيفة، جريمة حرب»، لمؤلفيه غي زلبرشتاين وبيير دولفال أرقاما مذهلة عن الضحايا الذين يسقطون جراء المواد المزيفة، وأنها جريمة تقتل أعدادا هائلة، كما يؤكد مؤلفاه الأخصائيان في مجال الجريمة المنظمة عامة، وقطاع المنتجات المزيفة خاصة.

ولعلّ إلقاء نظرة على محتويات هذا الكتاب تعطي نظرة وافية عن المدى الواسع الذي يطاله التزييف، وهو لا يخص أبدا مجموعة المنتجات والسلع الراقية والكمالية، كما يظن البعض، من ألبسة ذات ماركات شهيرة أو ساعات أو غيرها، ولكنه يستهدف مئات الملايين من المستهلكين.

وتحمل فصول الكتاب الثمانية العناوين التالية ذات الدلالة الواضحة: اللعب مع الموت: لعب الأطفال المزيّفة وطريق لا آخر له: فخّ السيارات وكأس واحدة والخسائر مؤكّدة ووراء شاشة من الدخان: السجائر القاتلة والدواء أسوأ من الداء: عقاقير اليأس وللشرب أو للأكل: مساوئ الصناعات الغذائية ومثل رائحة قاتلة: العطور ومواد التجميل، وأخيرا: دورات قصيرة: التجهيزات الكهربائية.

إن أشياء كثيرة يمكن اكتشافها عبر التدقيق في السلع والمنتجات المزيّفة. هكذا يشير المؤلفان إلى أن بعض ألعاب الأطفال المصنّعة في الصين تحتوي على مادة الرصاص السامة، وقطع التبديل المكرّسة للسيارات أو للطائرات والمصنوعة خارج مصانعها المختصة تؤدي إلى كوارث حقيقية.

وتتم الإشارة في هذا الصدد إلى حادث تحطم طائرة كونكورد كانت تعود للخطوط الجوية الفرنسية بعد إقلاعها من مطار شارل ديغول ـ رواسي قبل عدة سنوات. وإن بعض لفافات التبغ ـ السجائر ـ التي يتم بيعها عبر شبكة الانترنت تحتوي على مواد سامّة حقيقية إذ أنها مسؤولة إلى حد كبير بالإصابة بالسرطانات الخبيثة بسبب احتوائها على معادن ثقيلة.

وتتمثل إحدى المشاكل الحقيقية التي يؤكد عليها غي زلبرشتاين وبيير دولفال في القول ان ظاهرة التزييف القاتل هي بطور الاتساع والانتشار إلى درجة مخيفة. فخلال السنوات الثلاث الأخيرة وحدها تضاعفت عدّة مرات كمية المواد والسلع المزيّفة من قبل مصالح الجمارك في أوروبا.

ويؤكّدان أنه بالإضافة إلى البلدان التقليدية المعروفة بإنتاج بضائع ومنتجات مزيفة مثل الصين وتايوان وتايلاند، هناك بلدان جديدة تدخل في هذه الدورة وفي مقدمتها باكستان وتركيا وروسيا. وهذه هي النتائج التي يؤكدها المؤلفان بالاعتماد على التحقيقات الميدانية التي قاما بها وعلى الوثائق المتوفرة لدى السلطات والهيئات المعنية بالظاهرة من جمارك وغيرها.

ونقرأ: إن عولمة الاقتصاد توازن مع عولمة التزييف التي يمكن أن تزرع لدينا الخشية من تزييف حقيقي للعولمة نفسها. وإذا كانت مثل هذه الممارسة تثير التندّر قبل عدة سنوات فإنها هزت اليوم ثقة المستهلكين بما يتم عرضه عليهم منا أنها تشكل مصدر تهديد مباشر، وقاتل أحيانا، لأمنهم، ولها آثارها الكبيرة على جهود التجديد في القطاع الصناعي. وفي المحصلة تشجّع الجريمة المنظمة.

ويعني التزييف بمفهومه القانوني المتفق عليه اللجوء إلى إنتاج سلعة عبر تقليدها أو نسخها مع أنها محميّة بالقوانين التي تضمن حقوق الملكية الفكرية. تتم الإشارة إلى أن الخطورة تأتي أحيانا من حساسية القطاع الذي تتم فيه عملية التزييف مثل قطاع الأدوية أو المواد الغذائية ويُشار هنا إلى أن منطقة الشرق الأوسط ليست بعيدة عن إنتاج المواد الغذائية المقلّدة وعلى رأسها الخاصة بالحليب ومشتقاته حيث يتم بيعها في الأسواق المحلية. لكن تبقى آسيا هي صاحبة الباع الأطول في ميدان التزييف.

وينتهي المؤلفان إلى القول ان الاتساع الكبير الذي عرفته ظاهرة التزييف الصناعي يجعل من الضروري التوصل على المستوى الأوروبي، مجال اهتمامهما الرئيسي، إلى تنسيق السياسات الخاصة بمكافحة مثل هذه الظاهرة الخطيرة.

ولعل الجريمة التالية المأخوذة بحرفيتها من هذا الكتاب تبيّن مدى خطورة ظاهرة التزييف حيث نقرأ: إن كلفة إنتاج برنامج منسوخ للحاسوب تبلغ حوالي 20 سنتيم من اليورو هذا بينما يمكن أن يصل سعر مبيعها إلى 45 يورو. وهذا الربح الضخم هو أكبر من الربح الناتج عن بيع غرام من القنبّ ـ المخدّر ـ بحوالي 12 يورو بينما أن كلفة إنتاجه هي حوالي 52. 1 يورو إنه مثال يقول كل شيء.

المؤلفان في سطور

يعمل غي زلبرشتاين في ميدان كتابة السيناريو والدراسات. سبق له وقدّم كتابا عن أشكال التزيين والتزوير: الإجرام الدولي في مجال تزوير الوثائق. ومن كتبه أيضا: التعرّف أكثر على القناة التلفزيونية الخامسة: رهان قناة تربوية ، وبيير دولفال، هو أحد المستشارين في رئاسة الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي في ميدان مكافحة التزييف والسلع المقلّدة، وهو باحث في مجال الجريمة المنظّمة.

الكتاب: السلع المزيّفة، جريمة منظمة

تأليف: غي زلبرشتاين، بيير دولفال

الناشر: جان كلود غاوزفتش باريس 2008

الصفحات: 190 صفحة

القطع: المتوسط