«ساخنة جدا، ومسطحة جدا، ومكتظّة بالسكان» هي «الأرض» التي نعيش عليها وقصدها توماس ل. فريدمان في هذا الكتاب. وبعد أن كان قد قدّم قبل فترة كتابا تحت عنوان «الأرض المسطّحة»، بمعنى أن العولمة أزالت جميع الحواجز أمام سلطة السوق، ها هو يعود اليوم في كتاب جديد كي يشير إلى مجموعة من الأخطار الحقيقية التي تتهدد كوكبنا، ذلك أنها وراء أزمة بيئية عالمية.

ويعبّر توماس ل. فريدمان بجمل «قصيرة» هي الأخرى عمّا يريد التأكيد عليه من تحوّل كبير في مجال البيئة. هكذا يقول ان «العصافير لم تعد تحلّق في السماء»، في عالمنا اليوم، ويسأل: «من الذي زاد سخونة الأرض»؟ ويحدد الإجابة على السؤال الكبير: «إلى أين نذهب؟» بمحاولة شرح أن هناك: «250 وسيلة بسيطة من أجل إنقاذ العالم»؟ ونقرأ أيضا عن «الصين الخضراء».. هناك إذن مشكلة حقيقية، ولكن هناك أيضا مجالا لتصوّر حلول ممكنة.ولا يتردد توماس ل. فريدمان في تحميل الدول الصناعية الكبرى، التقليدية منها والصاعدة مثل الصين والهند، مسؤولية الوضع الخطير الذي يواجهه العالم اليوم على صعيد البيئة. كذلك لا يتردد في تحميل الولايات المتحدة القسط الأكبر من هذه المسؤولية. ذلك على خلفية «الانحطاط» في السلوكيات العامة التي جعلت أميركا تتردّى من موقع «الأول في الصف» إلى من يحتل «آخر المراتب» في مجال البيئة.

ويرى أن هذا هو نتيجة مباشرة لتمسكها الكبير بما يسميه المؤلف بـ «الطاقات الملوثة» مثل البترول والفحم. والنتيجة هي «الاميركيين يأخذون بقية العالم رهائن لهم» و«يعتبرون العالم مثل سلّة مهملات».مصدر الخطر الكبير الآخر على البيئة يحدده المؤلف في الصين. لكنه يرى أن الصينيين استشعروا الخطر الحقيقي الذي يلوح في الأفق.

هكذا بدؤوا منذ خمس سنوات تقريبا في خطط ترمي إلى استبدال الدرّاجات النارية بأخرى تعمل على الكهرباء. لكن رغم ذلك لا تزال الصين هي صاحبة الأرقام القياسية في العالم، إذ سبقت منذ فترة الولايات المتحدة في ذلك.

أما القارة الأوروبية القديمة التي كانت مهد الثورة الصناعية، فإنها هي أيضا على درجة عالية من وعي الأخطار المحدقة بالبيئة، وهكذا طوّرت عددا من التقنيات الخاصة بالوصول إلى مصادر طاقة «غير ملوثة». ويشير المؤلف إلى أنه إذا كانت الولايات المتحدة هي اليوم صاحبة مشاريع تطوير الطاقة الشمسية الأكثر اكتمالا في العالم، فإن هذه المشاريع ما كان لها أن تعمل لولا الاستفادة من التكنولوجيات الألمانية المتقدمة في هذا الميدان.

وإذا كان توماس ل. فريدمان يتحدث بأشكال مختلفة عن القدرة الخلاّقة لدى الاميركيين وعن «حيويتهم الفردية» التي سمحت لهم بتحقيق قفزات تكنولوجية حقيقية، فإنه يبدي قلقه حيال مجموعات الضغط ؟ اللوبي- التي تمارس سلوكيات ترمي بوضوح إلى التقليل من خطورة ظواهر تغيير المناخ وسخونة الأرض.

ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يشير إلى أن المرشح اوباما ـ كان مرشحا عند إعداد الكتاب ـ كان «مستعدا للقيام بتغيير جذري في النهج الخاص بسياسات البيئة الاميركية». لكن تبقى الخشية، حسب قوله، هي في أن يتركز اهتمامه بعد انتخابه هو «البنوك ثم البنوك ثم البنوك».

ويحمل الكتاب رسالة واضحة موجهة بالتحديد إلى الرئيس الأميركي باراك اوباما كي يجعل مشاكل البيئة من تغيير المناخ والتلوث وغيرها أحد أولوياته، مع الإشارة إلى أن مثل هذه الأولوية لها ثمن باهظ الكلفة، إذ أنها تتطلب بالضرورة تغيير تكنولوجيات الطاقة. وتتطلب قبل هذا «تغيير عميق في السلوكيات حيال البيئة». ولا يستبعد المؤلف في هذا السياق ضرورة اللجوء إلى فرض ضرائب على استخدام وقود المحركات.

ويؤكد المؤلف في المحصلة النهائية أن الأمر لا يتعلق في نقاء الهواء الذي نستنشقه فحسب، ولكنه رهان يخص «نهضة كونية»، فالأرض يمكن إنقاذها أيضا والخروج من الطريق المسدود، شريطة أن تتحرك أمريكا في الحال.

الكتاب: ساخنة جداً، ومسطحة جداً ومكتظة بالسكان

تأليف: توماس ل. فريدمان

الناشر: فارار وستروس وجيرو نيويورك 2008

الصفحات: 448 صفحة

القطع: المتوسط