قبل ما يزيد على ثلاثين عاماً، لمع نجم الروائية الأميركية جين آن فيليبس باعتبارها من أبرز مبدعي تيار الواقعية القذرة في الأدب الأميركي، وشأن هؤلاء المبدعين جميعاً نشرت أعمالها في دور صغيرة داخل أميركا أو في دور كبرى خارجها، لكنها اليوم تعود بروايتها الجديدة «لاراك وتيرمايت» بعد انتظار دام عشر سنوات عبر إحدى أهم دور النشر الأميركية.

ولتحظى باهتمام نقدي فائق، شكل الخلفية لهذا الحوار الذي أجراه معها موقع بورزوي ريدر الثقافي المتخصص، حيث ركزت على أبرز الهموم التي تشغل كتاب هذا التيار حتى وإن كفوا عن إعلان انتمائهم له، وحلق كل منهم في مساره الخاص. وفيما يلي نص الحوار:

هل الأجزاء التي تحدث وقائعها في كوريا في هذه الرواية قائمة على أساس أحداث فعلية خلال الحرب الكورية؟ ما هي نوعية الأبحاث التي أجريتها حول هذا الجانب من الرواية؟ وما الذي اجتذبك باعتبارك كاتبة إلى الحرب الكورية؟

الحادثة التي يشارك فيها بطل الرواية روبرت ليفيت وعدد من اللاجئين الكوريين الجنوبيين تقوم على أساس واقعة حدثت في منطقة نو جون راي. فقد غزت كوريا الشمالية كوريا الجنوبية في 26 يونيو 1950، وتراجعت القوات الأميركية سبعين ميلاً أمام القوات الكورية الشمالية التي يدعمها الصينيون في الأسابيع الأولى من الحرب. وكان هناك ارتباك وفوضى.

وهذه الحادثة وقعت في 26 يوليو عندما تعرض عدة مئات من المدنيين والقوات الأميركية التي قامت بإجلائهم للقصف بنيران صديقة. وقد لاذ الكوريون الذين نجوا بمخبأ في نفق مزدوج للسكك الحديدية قرب ضيعة نو جون رأي. وقد قيل للقوات الأميركية إنهم أعداء ولا ينبغي أن ينجو منهم أحد. وقد ظهرت صورة هذا النفق في الصفحات الأولى من الصحف عندما كشف صحافيون أميركيون عن الحقيقة التي حجبت عن العيان على امتداد خمسين عاماً تقريباً.

وقد رأيت هذه الصورة وأدركت أنها متطابقة تقريباً في المظهر والهيكل مع النفق الذي كنت قد كتبت عنه بالفعل في روايتي. وقد بدأت في إجراء أبحاث عن بداية الحرب والكتابة لإنجاز الجزء الخاص بروبرت ليفيت من الرواية، الذي أصبح الجزء الأول منها، وقد قرأت كل ما أمكنني الوصول إليه عن حادثة نوجون راي، بما في ذلك روايات شهود العيان من الأطفال الذين أصبحوا الآن في أواسط العمر والذين نجوا من خلال الاختباء خلف جثث أمهاتهم.

وقد خرج بعض قدامى المحاربين الأميركيين عن صمتهم أيضاً. وباعتباري كاتبة فإنني مشغولة بالحرب نفسها، وتكلفتها التي تدفعها الأجيال، والدمار الروحي الذي تحدثه. والفظائع تحدث خلال الحروب كافة، فالحرب عندما تنطلق تغدو مسلسلاً من الفظائع. والحرب الكورية كانت من العديد من الجوانب بمثابة تجربة أداء لفيتنام، كانت حرباً أهلية لم تعلن قط في بلد آسيوي. ونحن نجد أنفسنا الآن علي مستوى العالم في حالة حرب مستمرة. ومن المؤكد أن نتائج الحرب تتحدى الزمن، فهي الميراث الذي تتوارثه الأجيال من الفقد والضرر.

حديثنا عن شخصية تيرمايت، كيف أفلحت في الإمساك بالصيغة التي يتحدث بها وبخياله بهذه الدقة؟

لقد حاولت أن أتلمس سبيلي إليه عبر اللغة نفسها، في مقاطع الكلمات وتراكمات الصور. وكنت أعرف أنه مفتون بالأصوات الكبيرة وأنه يحب سماع القطارات وهي تمر عبر نفق مزدوج للسكك الحديدية حيث يلعب الأطفال، ويرجع جانب من جعلي أحداث الكتاب تدور في الخمسينات إلى حرصي على أن يعيش في عالم لا يستطيع أحد أن يحدد ما هو «عيب» فيه باعتباره من ذوي الاحتياجات الخاصة. وأنا أنظر إلى تيرمايت باعتباره شديد اللماحية، يحسبانه ذكاء ووعياً شكلهما الحرمان الحي من خلال النظر الضعيف وضعف القدرة على التحكم العضلي.

تعد لارك فتاة مدهشة في السابعة عشرة من عمرها ترعى أخاها الأصغر بمزيد من الحب والاهتمام لتجاوز إعاقته بينما تحاول أن تجد مكانها في الدنيا من أين استلهمت هذه النوعية من النساء المدهشات؟

أعتقد أنهن تمت صياغتهن على غرار نسوة في عائلتي، نسوة من المنطقة التي نشأت بها، فقد كانت أبالاتشيا ذات ثقافة رائدة اجتذبت أناساً مستقلين، واسعي الحيلة، يعملون من أجل ما لديهم، ولم أنشأ على معرفة بنسوة مدللات، فالرجال كانت تحددهم أعمالهم، بينما العائلة كانت تحدد النساء.هذه الرواية، شأن كتبك السابقة، تستكشف آفاق الصلات بين أعضاء الأسرة وبصفة خاصة بين الكبار والصغار.

وعلى سبيل المثال بين لارك وتيرمايت، بين نوفي ولولا. ما الذي يثير اهتمامك كروائية في هذه العلاقات؟

العائلة، العائلة التي ننتمي بأصلنا إليها، هي خريطة جينية ونفسية لمن تكون. ونحن نتحرك داخل تلك الخريطة طوال حياتنا، ونحن نرث ورطات آبائنا العاطفية التي لم تحسم وكذلك خواصهم وسماتهم العضوية. ونحن قد نتعلم «قراءة» تلك الخريطة، وقد لا نتعلمها. والعلاقات بين الكبار والصغار هي روابط دم عميقة.

هل كان من الصعب عليك الكتابة من وجهة نظر شخصيات مختلفة؟

لقد ألهمت وجهة نظر الأخرى. وأنا كاتبة تتجه إلى الصوت/ اللغة إلى حد كبير. وهذه الرواية تبدأ بسطر عن لارك، حيث نقرأ: «إنني أنقل كرسيه إلى الفناء تحت الشجرة، ثم تحمله نوني إلى الخارج. وأن أعرف من الذي تحمله نوني. وأنا أعرف لارك عن طريق صوتها، وقد حدثتني عما تعرفه عن تيرمايت وأمهما لولا. وحدثتني عما لا تعرفه كذلك». وصيغة نوني الجادة تخاطب القارئ بصورة مباشرة.

والحاجة ماسة إلى ضمير الغائب الخاص بروبرت ليفيت لسرد قصته وقصة لولا، إلى حد ما، وهو مع ذلك يجتذب القارئ إلى داخل الشعور والرائحة والواقع الخاص بالحرب، تماماً كما هو موجود في هذا الواقع. وأنا لم أخطط أصلاً لطرح وجهة نظر تيرمايت، وإنما لجعل الرواية تدور حوله. والكتابة غالباً ما تعرف أكثر مما يعرفه الكاتب، أو أن الحقيقة داخل الصورة. وصيغة تيرمايت تبدأ بهذه الكلمات: «إنه يرى داخل الأزرق» ولكنني لم أكن أعرف ما الذي تعنيه هذه العبارة إلى أن كتبت نهاية الرواية.

هناك فيضان في هذه الرواية ـ فيضان حرفي ورمزي ـ يغير للأبد المستقبل ويجلب ماضي كل الشخصيات الأساسية إلى رحاب الحياة. هل كانت هذه الصورة للفيضان كنوع من أحداث الكتاب المقدس في ذهنك وأتت عاكفة على تأليفه الرواية؟

الفيضان، والوعي بقدوم العاصفة، يتطابق مع إحساس روبرت ليفيت بالحرب وتجربته فيها، فالحرب تشوه، كطقس مدمر وقاهر من صنع الإنسان. والطقس الآن يمكن أن يبدو تعبيراً عن وعي جريح «صوت» الكوكب، إن شئت. وهناك حتمية في الحرب والعاصفة والفيضان، في الرواية، تماثل بين عالم وآخر. ومنذ اللحظة التي يمضي فيها ليفيت إلى حشد اللاجئين ويأخذ الفتى الكوري بين ذراعيه، فإنه يحس مع الصبي بما هو مقبل، تماماً كما يحس تيرمايت بالفيضان. إن التطهر، بالمعنى الدرامي الأصلي للكلمة، يدمر ويحرر.

منى مدكور