الذين تابعوا مجمل أعمال الكاتبة والروائية الأميركية جين آن فيليبس، باعتبارها من أبرز كتاب تيار الواقعية القذرة في الأدب الأميركي، كان عليهم الانتظار عشر سنوات بكاملها قبل أن تطل عليهم بروايتها الجديدة «لارك وتيرمايت». إذا كان هناك شيء محدد وواضح وصريح يمكن أن يقال عن هذه الرواية، فإن هذا الشيء لا يمكن إلا أن يكون أنها تستحق عناء الانتظار كل هذه السنوات الطويلة حقاً.

وليس من قبيل المبالغة وصف هذه الرواية بأنها رواية قوة الحب وفجيعة الخسارة والفقدان، بل هذا طبيعي ومنطقي لأنها تنتقل بنا بين كوريا لدى اندلاع حربها الوحشية في الخمسينات، وبين وست فرجينيا، حيث الحياة تكاد تكون حرباً غير معلنة لا تعرف الانتهاء على الفقر والمعاناة. في قلب الرواية اثنان من الصغار، أولهما لارك، وهي فتاة على وشك أن تبلغ سن النضج، والثاني أخوها تيرمايت، الفتى الصغير العاجز عن المشي أو الحديث، والمليء في الوقت نفسه بالتألق.

حول هذين الاثنين هناك أمهما لولا، التي هي بمثابة حضور غائب لكنه يلازم الرواية كالشبح، وعمتهما نوني، وهي امرأة في الخمسينات تتوهج بالحيوية والحضور وتقوم بتربيتهما معاً، وهناك أيضاً والد تيرمايت، كوربورال روبرت ليفيت الذي يجد نفسه واقعاً في الأشهر الأولى المفعمة بالفوضى من الحرب الكورية.

هذه الرواية، التي تسرد علينا بإحساس عميق، تدعونا إلى الولوج إلى أفئدة وأفكار أبطالها الرئيسيين، بل وإلى وعي تيرمايت المتداخل والممزق. سنظل طويلاً مع كوربورال ليفيت الذي تحاصره النيران الصديقة مع صبي كوري يحاول أن يكفل له الحماية والإنقاذ في نفق مزدوج للسكك الحديدية.

ونحن نرى أحلام لارك المتعلقة بأخيها الصغير تيرمايت وبمستقبلها، وكيف أنها تحول هذه الأحلام إلى واقع معاش بمساعدة صديق من أيام الطفولة واختصاصي اجتماعي. ونحن نعلم بحب لولا لزوجها الجندي ولطفليها وتقوم بتفكيك لغز علاقتها بأختها نوني، ونكتشف الصلات الدائمة بين الماضي والمستقبل، في الليلة التي تتعرض البلدة خلالها لفيضان رهيب، ونتابع مسيرة لارك وتيرمايت فيما حياتهما تتغير للأبد.

غير أننا لابد أن نتوقف أمام عدة حقائق مهمة فيما يتعلق بهذه الرواية، وأولها أنها ليست رواية حرب، على نحو ما قد يوحي الجزء الأول المتعلق بكوربورال روبرت ليفيت والحرب الكورية، وإنما هي رواية معنية بجبهة الدار، أو بالجبهة الداخلية إن شئت، فذكريات ليفيت تتقاطع مع وعي ابنه تيرمايت الذي لم يقابله قط، ومع أحلام أخته لارك ومع حياتهما في أبالاتشيا الخمسينات.

والحقيقة الأخرى التي لا تقل عن ذلك أهمية هي أن الرواية تشكل كياناً واحداً وكاملاً، على الرغم من أنها تبدو لنا لأول وهلة أجزاء متناثرة ومتباعدة، بحكم اختلاف الرواة وتغير المنظور الذي يتبناه كل منهم، ذلك أن فيليبس تدرك، باعتبارها من رواد تيار الواقعية القذرة في الأدب الأميركي، أن كلمة «العائلة» ليست مرادفاً لما هو ثابت ومستقر، وإنما هي تقاوم بضراوة أي تجديد نهائي، فالعائلة يمكن أن تكون الأم والأب والأبناء، ولكنها يمكن أيضاً أن تكون أي شيء آخر أيضاً، يمكن أن تكون أي شيء يرغب الناس في أن تكون عليه، أو أن يحاربوا من أجله.

والحقيقة الثالثة هي أن فيليبس في غمار محاولتها الإمساك بجوهر الحياة الصعبة في أبالاتشيا إنما تشبه من يحاول الإمساك بالحباحب من دون إلحاق الضرر بها، والمؤلفة تنجح فيما تحاول تحقيقه لأنها ترفض أن تلزم نفسها بتحديد نهائي لما عليه مفاهيم معقدة، مثل العائلة. وربما لم يقدر لرواية صدرت مؤخراً في أميركا أن تحظى باحتفاء وتقدير كالذي حظيت به رواية فيليبس التي طال انتظارها عقداً بكامله من الزمان.

فقد أجمع على الإشادة بهذه الرواية روائيون ونقاد كثيرون في مقدمتهم تيم أوبريان، جونو دياز، لورين أدامز، ليزشيا، أليس مونرو ومتشيكو كاكوتاني. وبإيجاز شديد عبرت الروائية أليس مونرو عن مشاعر الكثيرين حيال هذه الرواية عندما قالت: «هذه الرواية مصقولة مثلما ماسة، بأصالة حادة وبانبعاثات مدهشة من النور».

ويحلق روبرت أولين باتلر عالياً في محاولة تلخيص روح هذه الرواية المدهشة بقولة: «تتمتع جين آن فيليبس بالروح الشاملة لفنانة مبدعة، وهي تصل إلى قمة اقتدارها في رواية (لارك وتيرمايت) حيث تلج باقتدار مطلق وتعاطف أفئدة وعواطف أعضاء عائلة مميزة تعكس قصتها منذ منتصف القرن العشرين بعمق حياتنا في مستهل القرن الحادي والعشرين. هذه رواية كبرى تقدمها إحدى أروع كاتبات أميركا».

ويلفت نظرنا حقاً أن لورين أدامز لا تتردد في تشبيه «لارك وتيرمايت» برواية «العنف والصخب»، مبرراً ذلك بأن الروايتين كلتيهما توظفان أربع وجهات نظر وفي بعض الأحيان تروي عبر تيار الوعي. ويقول بروك الين في ختام مقال مطول عن الرواية في «وول ستريت جورنال» إنها: «فحص أصيل للاستمرارية الغربية للصلات العائلية».

وتقول كاثرين هاريسون في ختام مقال مطول في صحيفة «انترناشيونال هيرالد تريبيون» عن هذه الرواية إن «جين آن فيليبس تقدم ما هو مستحيل واقعياً بأصالة بالغة بحيث أن القارئ لا يضع حقيقته موضع التساؤل أبداً. وهذه هي كيمياء الرواية العظيمة، والحلم الفانتازي الذي يتم إبداعه في هذه الرواية هو حلم يلجه القارئ من دون النظر إلى الوراء أبداً».

وتلفت الكاتبة جوليا كيلر نظرنا إلى جانب مهم في هذه الرواية، وهو النثر الذي صبغت منه، فهو نثر متألق يفاجئ القارئ ويدهشه ويثيره ويجتذبه في آن، وهو ما يعكس الصفات التي طالما تميزت بها الروائية وأصرت عليها، رغم أنها دفعت ثمنها غالياً في العديد من منعطفات حياتها الإبداعية، فهي تجمع بين الجرأة والشجاعة والعناد والقدرة على المخاطرة.

ومن هنا فليس من قبيل المصادفة أنها تصف ببراعة بالغة ما الذي يعنيه تعرض المرء للانتقاد الشديد، حيث تقول عن إحدى شخصياتها: «تقلب الخوف والغضب في أحشائه مثل ثعبان الين واليانج، منزلقاً، وشبيهاً بالسمك لكنه بشري في تقلبه الدائري من دون توقف للحظة راحة».

ويبقى من المهم أن تتوقف طويلاً حيال براعة المؤلفة في الجمع بين المناخ الوحشي للحرب الكورية وبين الحرب على الجبهة الداخلية في منطقة شديدة الأهمية مثل أبالاشيا وكيف استطاعت أن تجعل من هذا كله كياناً أدبياً فريداً جديراً بما استحقه من اهتمام وتقدير.

الكتاب: لارك وتيرمايت

تأليف: جين آن فيليبس

الناشر: نوف نيويورك 2009

الصفحات: 254 صفحة

القطع: المتوسط

Lark and Termite

Jayne Anne Phillips

Knopf, N.Y.2009

254.P