تدور محاور كتاب «تراث القدس» وموضوعاته حول الذاكرة التاريخية للمجموعات الخطية التي تحتضنها القدس لنتعرف على كيفية تكوينها والمراحل التي مرت بها وما طرأ عليها من تحولات، وكيفية وضع الخطط والاستراتيجيات الخاصة بصيانة هذه المخطوطات وتحسين أوضاع حفظها.

وكذلك التعريف بالمخطوطات المكتوبة بالعثمانية (التركية بالحرف العربي)، والتي تدخل في نسيج ذاكرة القدس نفسها من ناحية وذاكرة تراث هذه المدينة من ناحية أخرى، بالإضافة إلى البحث في وعن الأوعية (غير المخطوطات) للتراث مثل الوثائق والسجلات والخرائط والرسومات والنقوش وغيرها، وهي ثروة محفوظة في المدينة وذات علاقة وثيقة بها.

وتثير قضايا مركبة تاريخية وحضارية وسياسية وثقافية ومعرفية عموماً. يتناول الكتاب فكرة القدس المملوكية من خلال الاطلاع على أهم المصادر التي كتبت عن المدينة مثل كتاب (الأنس الجليل)، حيث ترجع أهمية المدينة بالنسبة للمماليك إلى أن تاريخها هو تاريخ ديني في الأساس، وقد يكون هذا الاهتمام له جانب آخر يتمثل في أن القدس كانت في العصر المملوكي مركزاً للحكام والأمراء المنفيين من المماليك.

وقد ورثت المرحلة المملوكية المرحلة الأيوبية القصيرة، وفيها تطورت المدينة بشكل كبير فانتشرت المدارس والزوايا والخوانق في مختلف أنحاء البلدة القديمة في الحي الإسلامي، وتركزت في محيط المسجد الأقصى من الجهة الشمالية والغربية، وكانت المكتبات في العصر المملوكي ضمن المحتويات الأساسية للمدارس والمساجد والزوايا، وفيها المصاحف وكتب العلوم الدينية واللغة العربية والآداب، وتدل كثرة الكتب والعلماء في العصر المملوكي على اهتمام السلاطين والأمراء بالعلم، وتحسن الوضع الاقتصادي، وقد وصل إلينا من كتب هذا العصر 864 مخطوطة ورسالة.

أما المرحلة العثمانية فهي تعد ضعيفة بأبنيتها إذا ما قارناها بالمرحلة المملوكية، ولكن استمر التعليم في العهد العثماني على النمط المملوكي نفسه، كما أنه حدث توسع في التعليم ونسخ المخطوطات حيث بلغ عدد المخطوطات، التي ترجع للمرحلة العثمانية والمقتناة في مكتبات القدس، إلى 3592 مخطوطة، أي أن عددها أكثر من أربعة أضعاف المخطوطات في العصر المملوكي.

وتعد مخطوطات الفقه في مكتبات القدس الأكثر عدداً في عناوينها من الموضوعات الأخرى، فعددها يزيد قليلاً عن 20% من العدد الإجمالي للمخطوطات، وربما يعود ذلك إلى أن الذين جمعوا هذه المخطوطات هم من العلماء والقضاة والمفتين، ومن ثم فهم يحتاجون إلى كتب الفقه أكثر من غيرها لرجوع إليها في فتاواهم ودروسهم وأحكامهم الشرعية، ذلك أن الفقه هو نظام حياة المسلمين.

وهو الذي يسيّر حياتهم، وتشير المخطوطات الموجودة حالياً في القدس إلى أن غالبيتها كانت تجتلب من القاهرة ودمشق، حيث كان العلماء والطلبة يشترونها خلال إقامتهم في المدينتين، وكان بعض علماء القدس ينسخون مخطوطات في أثناء تواجدهم خارج فلسطين ويحملونها معهم إلى مدينتهم، ولكن هذا الواقع لا يعكس حقيقة ما كان عليه الأمر في القرون الماضية، فقد تم نسخ أعداد كبيرة من الكتب في القدس ذاتها، ولكن هناك مئات من المخطوطات تم نقلها خارج القدس بعد سقوط الدولة العثمانية.

وقد زخرت فلسطين بالعديد من المكتبات العامة والخاصة، ولكن هذه المكتبات خلت اليوم أو كادت تخلو من كنوزها في شتى أنواع العلوم والفنون العلمية، ويرجع ذلك إلى ما تعرضت له فلسطين وباقي الدول العربية الأخرى من عدوان مستمر واحتلال ومصادرة، وما ترتب على ذلك من ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية صعبة، جعلت الكثيرين ممن يحتفظون بهذه الكنوز يفرطون فيها بأبخس الأثمان؛ نتيجة الحاجة حيناً والجهل حيناً آخر.

يتحدث الكتاب عن مكتبات القدس التي كانت تضم عددا متواضعا من مخطوطات الحديث، على الرغم من أن معظم التراث المخطوط في فلسطين موجود في مكتبات القدس، ويرجع ذلك إلى تعرض خزائن المخطوطات في القدس لنكبتين أساسيتين: الأولى على يد الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، والثانية على يد الصهاينة عند احتلالهم لفلسطين عام 1948.

حيث دمروا وسرقوا وصادروا واستولوا على كثير من المخطوطات والوثائق المتعلقة بالقدس، هذا بالإضافة إلى عوامل أخرى أسهمت في ضياع تراث المدينة المخطوط تتلخص في عدم القدرة على العناية به وحفظه من العوامل البيولوجية والجوية، إضافة إلى ما أصاب المدينة من حرائق وزلازل عبر التاريخ، وفي حالات كثيرة كانت المخطوطات تضيع لجهل أصحابها بقيمتها، فتتلف أو تذهب إلى سارقي المخطوطات بأبخس الأثمان.

وكشف الكتاب عن نفائس مخطوطات الحديث الشريف الموجودة في مكتبات القدس حالياً، أخذاً في الاعتبار قدم النسخة، كون النسخة بخط المؤلف، كون النسخة مكتوبة في زمن المؤلف، كون النسخة مكتوبة بخط أحد العلماء، ووجود إجازات على النسخة أو قراءات أو سماعات مهمة على العلماء.

وقد كثُرت المؤلفات التي وضعها العلماء في فضائل بيت المقدس وتاريخها ابتداءً من القرن الثالث الهجري إلى القرن الرابع عشر الهجري، و الكتاب يتناول كتاباً من هذه الكتب، حيث يكشف عن مؤلفه الأصلي، ويعرف بالكتاب، ويبين بعض ما في طبعته من أغلاط، ويدعو هذا الجزء أيضاً إلى إيلاء كتب فضائل بيت المقدس وتاريخها العناية التامة فهرسةً وتحقيقاً وتعليقاً ونشراً؛ لتبقى تلك المدينة في الذاكرة، وتبقى كتبها أمام الأعين.

كما تناول الكتاب قراءة في مخطوط «موانح الأُنس برحلتي لوادي القدس»، للشيخ المتصوف مصطفى أسعد اللقيمي الدمياطي (1171 ه/ 1750 م)، والذي يُعد من أروع المخطوطات التاريخية التي تناولت تاريخ بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، فهو ليس مسرداً تاريخياً عن درة المدائن، مدينة السلام فحسب، بل هو وصف حي لمشاهدات حية رآها اللقيمي بعينه، ووصفها بفكره وبيانه، وسطرها بقلمه.

وركز الكتاب على سجلات محكمة القدس الشرعية، وهي مقسمة إلى جزأين: الأول هو موجز عن مشروع فهرسة الوثائق والمخطوطات في الجامعة الأردنية، الذي بُوشر العمل به منذ مطلع عام 2006، والثاني عن أوقاف القدس الإسلامية من خلال سجلات محكمة القدس الشرعية، ووقفية خاصكي سلطان على العمارة العامرة في القدس- أنموذجاً.

وتكشف لنا وقفيات القدس التي يعود كل ما وصل إلينا منها إلى العصرين المملوكي والعثماني عن كثير من الجوانب المجهولة في التاريخ العمراني للمدينة، فالأوقاف ترسم لنا العديد من ملامح المدينة نستطيع من خلاله أن نرسم تخطيطاً عمرانياً للمدينة منذ العصر الفاطمي حتى القرن التاسع عشر.

وقد أنجز برنامج بحثي في جامعة هارفارد رسم مخططاً للمدينة في العصرين المملوكي والعثماني على سلسلة خرائط تعد الأولى من نوعها، واعتمد رسم هذا المخطط وهذه الخرائط على الوقفيات، حيث تعطينا الوقفيات وصفاً دقيقاً للعمائر التي أُنشئت في المدينة عب العصور المختلفة، كما تكشف عن العلاقة الوطيدة بين الرعاية الاجتماعية والازدهار الاقتصادي وقدرة المجتمع، من خلال مؤسسات الأوقاف، على إنماء المدينة بصورة مستديمة.

بحوث و مداخلات

قام بتنسيق الكتاب وتحريره الدكتور فيصل الحفيان ، كتجميع لبحوث ومداخلات المؤتمر الدولي الذي عقدته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (معهد المخطوطات العربية)، بالتعاون مع جمعية الدعوة الإسلامية العالمية - ليبيا ، بالقاهرة عام 2006، حيث شارك في هذا المؤتمر مجموعة كبيرة من الأساتذة والخبراء والباحثين والمتخصصين المعنيين بقضية تراث القدس بجوانبه المختلفة من داخل مصر وخارجها، وكان العدد الأكبر من داخل القدس من المسئولين عن المكتبات الرسمية والأهلية، وكان يهدف بصورة أساسية للخروج بما يمكن تسميته «وثيقة تراث القدس»، وهي وثيقة للمخطوطات بصفة أساسية، ووثيقة أيضاً لغير المخطوطات من ألوان التراث.

خالد عزب

الكتاب: تراث القدس

تأليف: عبد الستار الطويلة

تحرير: د.فيصل الحفيان

الناشر: معهد المخطوطات العربية وجمعية الدعوة الاسلامية

الصفحات: 409 صفحات

القطع: المتوسط