تتناول جين سعيد المقدسي في كتابها « شتات بيروت » خمسة عشر عاما عاشتها في العاصمة اللبنانية في ظل الحرب والدمار والخراب بسبب الاجتياح الإسرائيلي ، مستعرضة الأحداث اليومية لتلك الفترة ، والمصطلحات التي كانت شائعة أيام الحرب وكذا الآثار والنتائج الوخيمة التي حصدها لبنان وشعبه البريء، طارحة السؤال التالي: من المسؤول في النهاية عن هذه السنوات من الحرب والتعاسة؟ هل ستجري محاكمات يوما ما ويستدعى أشخاصا للحساب؟
وترى المؤلفة بأن مفردات اللغة مثلها مثل كل كائن عضوي في حالة دائمة من النمو والتحور ، والكلمات والمعاني تتحول إلى ما لا نهاية له مثل كلمة «علقانة» أو «علقت» فهذان التعبيران المشحونان بالمعنى يشيران إلى معركة بين فريقين أو أكثر، وبالإمكان استخدامها أيضا للتهكم ، إذ ليس من السهل التمييز بين المعنى الحرفي وبين السخرية .
شو في؟
في شي؟
في شي.
ما في شي.
من هنا ترى الكاتبة بان هذه التعابير التي لا تشير في الظاهر إلى أي أذى أو ضرر هي في الواقع جزء من دستور وقاية للحياة طوره اللبنانيون في مواجهة العنف المفاجئ .
وأشارت المقدسي إلى مصطلحي «خربت الدنيا» و «قامت القيامة» التي تعتبرها ملاحظات مغرقة في الغلو والمبالغة للدلالة على حدة القتال في بلد صار العنف فيه أسلوبا للحياة ، غالبا ما يجد الناس مشقة في انتقاء الكلمة لوصف أحداث أكثر هولا .وتعتبر المؤلفة بعض الجمل مثل «قعدنا بالممشى..نزلنا عالملجأ...ما تحركنا» عبارة عن بارومتر- أو مقياس ضغط جيد لخطورة المعركة التي عاناها المتكلم ، فالمماشي تؤمن الحماية الكافية ضد معارك المدافع الرشاشة ، والملجأ تحت البناية هو المكان الذي يوفر أقصى الحماية للسكان في الحالات القصوى .
أما الثلاث ميمات : « المطار...المرفأ...المعابر» فترى الكاتبة بأنها ظلت على مدى أشهر عديدة النقاط الشائكة في المفاوضات ، وجرى القول بين السكان المحاصرين أنه عندما تفتح الميمات الثلاث فقط سيحل السلام ، وكان ذلك منذ سنوات عديدة والآن أصبحت الأشياء التي تحتاج إلى إعادة فتح أكثر من ذلك بكثير.
ومن جهة أخرى تنقلنا المؤلفة إلى بيروت قبل الحرب حيث تعتبر مركزا إقليميا بالغ الأهمية للمالية والتجارة والتعليم والطب والحياة الاجتماعية ، والتي تعكس كوزوموبولية المدينة وانفتاحها التعددية المرحة لمجتمعها المتعدد المذاهب الذي يضم مختلف المجموعات العرقية التي لجأت إليها هربا من تقلبات الحياة في المنطقة ، كما ان بيروت نعمت بحرية التفكير والتعبير وبصاحفة حرة ونظام سياسي متعدد الأحزاب ، والذي كان من دواعي اعتزازها.
وتسلط الكاتبة الضوء على المرايا أو المتناقضات كصورة ذاتية كونها القائلة : «ولدت في القدس ، ونشأت في القاهرة ، وترعرعت في أميركا ، ومت في بيروت» حيث تصور من خلال هذه الجملة الصراعات التي يصعب معالجتها والتي تفجرت في هذه المنطقة ،وذلك عن طريق استعمال حياتها بمثابة صورة مصغرة لهذا العالم ، ومن هنا ترى بأن بيروت الكائنة في قلب الأمور قد عبرت عن تصادم آراء اجتماعية ، دينية ، سياسية ، وثقافية ، أغرقتها في هذه الفوضى من العنف الذي هو بحد ذاته فكرة إذن تجد المقدسي نفسها قابعة في قلب بيروت، غارقة تتخبط في القلب الهاوي.
وقفت المقدسي عند الاجتياح الإسرائيلي في صيف 1982 حيث ظل الإسرائيليون يقصفون لبنان بالقنابل على مدى سنين ، وفي معظم الأحيان كانوا يضربون الجنوب ، ومن ثم يمرون فوق بيروت على علو منخفض بحيث يتسبب دوي اجتيازهم لجدار الصوت في تحطيم زجاج النوافذ بالإضافة إلى أعصاب السكان ، وكانت تقابل الطائرات عادة بنيران المدافع المضادة المنصوبة على الشاطئ ومن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.
وأشارت الكاتبة إلى ما تركه الإسرائيليون بعد الحرب والدمار والمأساة ، بعد الخراب والألم ، والقتل والاحتضار والأجساد الممزقة والأعين المسمولة والوجوه المشوهة والمحروقة ، والأرامل والأيتام بعد كل ذلك تقول المقدسي لم يبق إلا كومة ضخمة من البراز التي كان يتركها الجنود الإسرائيليون حيثما وجدوا، وفي أماكن مختارة بعناية على الكتب ، والأثاث ، والملابس والسجاد ، على أرض غرف النوم ، وفي مغاطس الحمامات ، على مناضد التلامذة في المدارس ، في واجهات المخازن ، وفي أدراج المكاتب أيضا .
وفي الأخير تقول المقدسي مازلنا نتساءل عن المستقبل ، ناظرين إلى عدة بدائل أمامنا ، إحداها والتي كنا نخشاها دائما ، التقسيم ، والذي يبرز أمامنا الآن على شكل إمكانية ، وهو تجزئة البلاد إلى « كانتونات» تنفصل فيها المجتمعات تبعا للمذاهب الدينية ، أو استمرار الوضع الحالي لسنوات قادمة بفترات من الهدوء تدوم شهورا تتخللها جولات من القتال ، إلى حين إيجاد حل للمسألة الفلسطينية التي تشكل الحرب في لبنان جزءا منها .
ناهد رضوان
الكتاب: شتات بيروت مذكرات حرب 1975- 1990
تأليف: جين سعيد المقدسي
الناشر: دار الساقي بيروت 2008
الصفحات : 311صفحة
القطع: الصغير

