إذا كان الاقتباس الآنف للشاعر السوري أدونيس، فهل يمكن تفكيكه إلى عناصر بصرية وسمعية تعانق أمداء الكلمة ولغة الجسد في فضاء مركب يعيد قراءة المعنى وإنتاج الدلالة؟ هذا هو التحدي الذي حاول اجتيازه عرض فارس الكلمات الغريبة الذي تابعناه مؤخرا في دار الأوبرا بدمشق من إخراج عمر نقولا وإعداده إلى جانب دولي فضول.

وفارس الكلمات الغريبة عنوان شعري لعرض من الصعب فرزه في إطار إبداعي محدد، أو تناوله من وجهة نظر تقليدية، إذ تتلاقح وتتكامل في صلبه مجموعة من الفنون والتقنيات المختلفة، أولها الشعر ثم فن الفيديو آرت فالرقص المعاصر والموسيقى وصولا إلى الخشبة ومسرحة النصوص، إنه فضاء تجريبي بامتياز، غرضه كسر المألوف والوصول إلى لغة جديدة للتعبير عن حالات روحية ملتبسة، لغة قد تكون معروفة في الدول الأخرى.

لكنها تتقدم للمرة الأولى على خشبة المسرح السوري، حاملة معها الدهشة للحضور، ومثيرة العديد من الأسئلة حول إمكانات دمج الفنون الرقمية الحديثة والفنون الكلاسيكية، واللافت في هذه التجربة الأولى من نوعها أنها جاءت بمبادرة من مجموعة من طلاب كلية الفنون الجميلة والمعهد العالي للفنون المسرحية برعاية من المركز الثقافي الألماني بدمشق «غوته».

وإذا كان الموضوع هو الصور التي تبعثها في المخيلة أغاني مهيار، فإن التجسيد البصري والسمعي لتلك الصور أسست له مجموعة من العناصر المتشابكة في فضاء هو أقرب إلى الفضاء المسرحي من حيث الأداء العام، ففي خلفية الخشبة تموضعت شاشة ضوئية كبيرة غطت كامل الخلفية، وعليها تم عرض فيلم الفيديو آرت.

وهو عبارة عن تكوينات تشكيلية حروفية متحركة ومتبدّلة لجمل ومقاطع من نصوص أدونيس باللغتين العربية والألمانية، تم تنفيذها بواسطة الكتابة الرقمية وتقنيات الحاسوب، فصلت فيما بينها مجموعة من المشاهد الضبابية المصوّرة لمدينة تائهة في الزحام، أو مطر يتساقط على سطح بحيرة بجماليات عالية، أو رجل غارق في عزلته البيضاء.

أمام الشاشة انقسمت الخشبة إلى مستويين أعلى وأدنى، والمستوى الأعلى كان ضيقا ومتدرّجا ولصيقا بالشاشة، أما المستوى الأدنى فقد احتل باقي المساحة، وبين المستويين انتقل الراقص فادي شاهين، وهو يؤدي حالات تعبيرية مختلفة، تتراوح ما بين التوق والانكسار، ترافقت مع موسيقى تبعث على التوتر في أغلب الأحيان.

ومجموعة من المؤثرات الصوتية الحادة كصوت البرق مثلا، وحين كان الراقص يقف في المنطقة المرتفعة، كانت ألوان الفيلم تغمره. ويبدو وكأنه جزء من المشهد، أما حينما كان ينتقل إلى المنطقة الأخرى، فكانت التشكيلات اللونية هي الأساسية في إبراز الحالة التعبيرية ودمج مفردات الفضاء.

تهامة الجندي