الصالونات الأدبية أنها باتت حاجة إنسانية حيث تساهم في فك الحصار عن العقل، ولا تعوق سعيه لتحقيق الاستقلال ولا يشعر بالاغتراب، فيمارس النقد، ويحلِّل الأزمات، ويتابع الإبداع مهما كان جنسه، ويتبادل الآراء، ويقاوم الوحشية الطفلية أو تلك الماكرة فيصنع حريَّته الإنسانية.
أوَّل صالون، أوَّل جريدة، أوَّل إذاعة، أوَّل منبر أدبي كان في اليونان، أقامته(أسبازيا) زوجة القائد العسكري اليوناني بريكلس، وذلك في القرن الخامس قبل الميلاد، إذ كانت نساء أثينا يتردَّدن على بيتها فيتبادلن الأحاديث عن المسرح، والتصوير، والنحت، والتهذيب واللباقة والجمال. فلم يسر ذلك الرجال، فكادوا لها سيما وأنَّها لم تكن زوجة شرعية لبركليس، لأنَّ القانون يحرِّم على «المواطن» الأثيني الزواج من «الأجانب»، فطعنوا بشرفها وسموِّ أخلاقها، وبأنَّها تستخدم بيتها لأغراض تسيء للمرأة الأثينية، فاتهموها بعلاقة مع الفيلسوف «آتكفوراس» فأُعدم، ثمَّ اتهموها بعلاقة مع النحات «فيدياس» فتمَّ نفيه.
ثمَّ وجَّهوا لها تهمة عدم خضوعها لأوامر الدين؛ وأنَّها جهرت بعدم تعظيمها لآلهة اليونان. ودافع بريكلس عنها في مجمع (أرنوس باغوس) وبكى دموعاً عليها حتى قيل إنَّه أنقذها من الموت بدموعه، لأنَّه كان واثقاً من عفَّتها ورجاحة عقلها. رَّ زمن طويل بين صالون (أسبازيا) وصالون (مدام فيفون) مركيزة رامبوييه التي افتتحته عام 1608؛ ليرتاده النبلاء وأعضاء الطبقة الارستقراطية الفرنسية وبعض المثقَّفين، فيتحاورون فيه عن فن الرواية وأصولها، والتصوير، والفلسفة. وكان من رواد صالونها الروائي «بلزاك».
ثمَّ تتالى انتشار الصالونات: صالون (مدام ريكامييه)، وصالون الروائية الفرنسية( جورج صان) وكلاهما افتتحا في مطلع القرن التاسع عشر. ثمَّ صالون (مدام دي ستال) في باريس الذي حاز على شهرة عالمية، إذ تمظهرت وانصهرت فيه الخلافات القومية الأوروبية. أمَّا في باقي مدن أوروبا فقد عرف صالون الدوقة (مازرين) في لندن في القرن السابع عشر، وصالون( مدام نوردان فليشت) في استوكهولم عاصمة السويد الذي افتتحته في القرن الثامن عشر. عربياً أوَّل صالون أدبي كان لسكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب التي كانت من أجمل نساء عصرها، والتي كان كلُّ من يتزوجها يموت أو يهلك، حتى قيل إنَّ من يريد أن يموت فليتزوَّج سكينة.
ومن أزواجها: مصعب بن الزبير، عبد الله بن عثمان بن حكيم، ثمَّ الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان وفارقها قبل الدخول بها خوفاً من أن يموت، ثمَّ زيد عمرو بن عثمان بن عفان فطلَّقها بأمرٍ من سلمان بن عبد الملك. وكانت سكينة تحب الأدب، وكان الشعراء يجتمعون في صالونها دارها فتجلس حيث تراهم ولا يرونها، وتسمع كلامهم ويسمعونها ومنهم: جرير، الفرزدق، كثير عزة، جميل بثينة، وكان أشعب يخدمها فتأنس بنوادره الظريفة.
ثاني الصالونات الأدبية كان صالون « نزهون الغرناطية» وهي شاعرة، وكان يرتاده خاصَّة الفكر والأدب في عصرها، ثمَّ كان صالون (ولاَّدة بنت المستكفي) في القرن الحادي عشر التي ذاع صيت حبِّها والشاعر ابن زيدون.
وصالون (حفصة الركونية) في القرن الثاني عشر الذي أقامته في غرناطة الأندلس، وكانت شاعرة عصرها عشِقَت أبي جعفر بن سعيد عشقاً عذرياً ومن غزلها فيه:
أغارُ عليكَ من عيني ومني ومنكَ ومن زمانِك والمكانِ
ولو أنَّي خبَّأتُكَ في عيوني إلى يومِ القيامة ما كفاني
وبقيت حفصة على حبِّها وودادها لأبي جعفر حتى قُتل؛ فرثته في قصائد كثيرة، ثمَّ حزنت عليه فاعتزلت الناس إلى أن لحقت به. ولم تقم بعد ذلك قائمة لأيِّ منتدى أو صالون أدبي عربي حتى جاء القرن التاسع عشر؛ وكان صالوني (مريانا مراش) و(الأميرة نازلي فاضل) بنت الأمير مصطفى فاضل ولي عهد الخديوي إسماعيل، الذي كان من رواده: الإمام محمد عبده، سعد زغلول، قاسم أمين، محمد المويلحي، حسن عاصم.
وفيه نضجت أفكار قاسم أمين عن تحرير المرأة، كما تمَّ فيه الإعداد لإنشاء الجامعة المصرية. أمَّا صالون (مريانا مرَّاش) فهو أوَّل منتدى في سوريا وكان في مدينة حلب وذلك عام 1849، ومريانا هي شقيقة الروائي فرنسيس مرَّاش أوَّل من كتبَ روايةً عربية، وكانت أوَّل أديبة سورية برزت ونشطت في الأدب والصحافة، وكانت أيضاً أوَّل امرأة تُصدر ديوان شعر عام 1893، وكان من جلسائها في المنتدى: قسطاكي الحمصي، جبرائيل دلال، كامل الغزي، فرنسيس مرَّاش.
لكن أشهر الصالونات الأدبية في القرن العشرين والذي أثَّر في الحياة الثقافية العربية كان صالون (مي زيادة) 1886- 1941؛ ابنة الياس زيادة صاحب جريدة «المحروسة» التي نشرت فيها أوَّل مقالاتها، وكان أبوها قد قًدِمَ القاهرة من بيروت عام 1911 هرباً من استبداد الدولة العثمانية فاستقرَّ بها، ولما مات والدها عام 1919 تولَّت تحرير «المحروسة».
وقدَّمت لها جريدة «الأهرام» مساعدة، فأعطتها غرفة في الطابق العلوي من مبناها، وصارت تكتب في الوقت ذاته في مجلة الزهور وفي جريدة الأهرام التي كان رئيس تحريرها (داوود بركات) الذي غيَّر اسمها من (ماري) إلى (مي)، إذ كان متيَّماً بها رغم فارق السن بينهما.
بدأت مي زيادة نشاطها الفكري والأدبي في صالونها عام 1911 عام وصولها وأسرتها إلى القاهرة، وكان مقرُّه في مسكنها في شارع عدلي، إلى أن نقلته عام 1922 إلى مسكنها في مبنى جريدة الأهرام، وكان يوم الثلاثاء من كل أسبوع هو اليوم الذي يلتقي فيه الأدباء والمفكرون في صالونها.
وكان من رواده: إسماعيل صبري باشا، منصور فهمي باشا، ولي الدين يكن، خليل مطران، حافظ إبراهيم، مصطفى عبد الرازق، انطوت جميل، أمين معلوف، يعقوب صروف، شبلي شميل، الشيخ علي عبد الرازق، سلامة موسى، عباس محمود العقاد، مصطفى صادق الرافعي، أحمد شوقي، إبراهيم المازني،. .... وغيرهم.
وكان طه حسين كتب عن صالونها يقول: كان الذين يختلفون إلى هذا الصالون متفاوتين تفاوتاً شديداً، فكان منهم المصريون، والسوريون، والأوربيون على اختلاف شعوبهم، كانوا يتحدَّثون بلغاتٍ مختلفة، بالعربية والفرنسية والانجليزية، وربَّما استمعوا لقصيدة تُنشد، أو مقالة تُقرأ، أو مقطوعة موسيقية تُعزف، أو أغنية تنفذ إلى القلوب.
مع ذلك كان معظم هؤلاء الأدباء والمفكِّرين يهيمون بها، وولعوا بغرامها، لدرجة أنَّ كلَّ واحدٍ منهم كان يظنُّ أنَّها تحبُّه دون غيره. غير انَّ (مي) لم تبادل أيَّاً منهم الحبَّ حتى انكشف سرُّ عشقها وهواها لـ «جبران خليل جبران» رغم بعد المكان بينهما؛ هي في مصر وهو في أميركا. فكان كلاهما مفتوناً بالآخر فكتب أعذبَ وأرقَّ شعره بها، ويوم مات جبران خليل جبران صرخت كالمجنونة وبكت كأنَّ أحداً أخبرها بموته.
أنور محمد


