تستقبلك مدينة حتا المستظلة بالجبال وكأنها مدينة تم بناؤها في التو حيث المباني الحديثة، لكنك ما ان تبدأ في الصعود حتى يهديك البرجان اللذان يتسمران فوق قمتي جبلين إلى القرية القديمة التي يفوح منها ومن على البعد عبق الزمان المندثر.. القرية القديمة اليوم تم تسويرها واعتبارها معلماً سياحياً يقدم نبذة جيدة ووجبة تاريخية بامتياز.
لا تعرف أي قناع هو الذي يشكل لك عبئاً ثقيلاً وأنت تلبسه أو تنزعه، فأنت أمام الطبيعة لست أنت الذي يجلس على طاولة من خشب الساج اللامع في مقهى تصدح منه موسيقى شوبان في مركز تجاري يعج بالضجيج والناس وأزياءهم التي يرتدون في أناقة تامة.. أي قناع هذا الذي ينسلخ منك أو تنسلخ منه، أو الذي يشتبك مع خلايا وجهك حينما تعبر البرزخ بين مكان ومكان. الطبيعة لها سطوتها قالها الحكماء والفلاسفة قبل الشعراء والتشكيليون العباقرة.
للجبل سطوة الحضور أينما تقدمت إليه تشعر بتلك الهيبة وبذلك الجبروت، عند سفحه ستمكث طويلاً وأنت تتبع تفاصيله من الأسفل إلى الأعلى، قمته هي الإغراء الأكبر، وصمته إغواء يحيلك إلى لعبة الطفولة، ان تصرخ وتترك صخوره تقلد صوتك، تصرخ شديداً في صخور الجبل ويذهب الصوت ويأتيك من بعيد بعد ان يكون الجبل قد أعاده إليك مكرراً ومكبراً.. هذا في حضور الجبل الأوحد، أما في حضور الجبال المتراصة فأنت تستدير مع وضد عقارب الساعة لمسح بصرك القمم كلها. تغوي طبيعة الجبال السياح والزائرين، بالرغم من انها صخور تتماهى فيها الألوان لكنهم في كل مرة يأتون يدركون ان هناك أسراراً لم تكتشف بعد. كم عمر هذا الجبل؟
قد تخجل ان تسأل هذا السؤال لكنه يتقافز ككرة البيسبول بين الأضلع، وددت لو أعرف، وددت لو ان أحداً يجيبني في المكان، ربما تجد منهم من أهل منطقة الجبال يحكون لك عن حكايا كثيرة لأناس صعدوا تلك القمم وعاشوا وقضوا فيها، وربما تتجسد أمام عينيك صخوراً لامستها أناملهم وخناجرهم، وربما يضرب بك كتاب في أقاصي التاريخ ليحيلك إلى كومة من المعلومات التاريخية، لكن لا أحد سينجدك من أسر السؤال.. كم عمر هذا الجبل؟
عند الجيولوجيين سوف تجد نفسك تبحر في سفينة من خيال بيضاء وأشرعتها بيضاء، فهم سيرجعون إلى أدلتهم عبر حياة الحفريات، وسيعودون إلى العصور التي خلت لكنك ستخرج بحصيلة هي تقدير.. سيقال لك من الفترة كذا إلى الفترة كذا.. لكن عمر ذلك الجبل الحقيقي سيكون سراً، هو الذي يدفع بصرك في كل مرة تزوره أو تقف بجانبه إلى التمعن جيداً في صخوره وأعشابه النابتة بينها لعل رقماً قديماً صدئاً يتساقط منها، أو تجده بقرب عقرب صغير يختبئ في جحره.
سطوة الجبل مهيبة والأكثر هيابة ان تسكن الجبل قرية قديمة تعود بك إلى شيء من تفاصيل الحياة.. أجمل القرى في العالم هي التي تكون عادة محفورة في بطن جبل، أو تتكئ عليه أو تعتليه.. مدينة تبعد عن دبي 115 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي منها، عبر طريق يمتد من عمق الرمال الذهبية التي تتدرج في ألوانها لتفضي بك إلى جبال على جانبيه.
ثم تبدأ بالارتفاع.. مدينة عصرية اليوم، سياحية بالدرجة الأولى، حتى وان امتدت إليها الحداثة مازالت تمازج لوحتها بكثير من ألوان الجبل والمسطحات الخضراء الناتجة عن مزارع النخيل والخضروات الموازية لوديان قديمة تتجدد كلما هطل المطر.. تستقبلك مدينة حتا المستظلة بالجبال وكأنها مدينة تم بناؤها في التو حيث المباني الحديثة.
لكنك ما ان تبدأ في الصعود حتى يهديك البرجان اللذان يتسمران فوق قمتي جبلين إلى القرية القديمة التي يفوح منها ومن على البعد عبق الزمان المندثر.. القرية القديمة اليوم تم تسويرها واعتبارها معلماً سياحياً يقدم نبذة جيدة ووجبة تاريخية بامتياز أيضاً، بعد ان تم إجراء الكثير من مشاريع الترميم لبيوتها وحصونها القديمة.. هنا قرية حتا التراثية.. القرية التي يعود عمرها إلى 2000 عام، المحروسة بقلعتين تراقبانك أينما تنقلت في الأجواء.. الأولون كانوا أصحاب نظرة ثاقبة.
وبالتأكيد قضوا أياماً أو ربما شهوراً أو أهدتهم حنكتهم وبصيرتهم في طرفة عين إلى الموقعين الاستراتيجيين لهاتين القلعتين، فأنت ما ان تعتلي واحدة منهما إلا تشعر انك كالصقر تشرف على القرية كاملة.. أذكياء أولئك الرجال الذين خططوا لهذين الموقعين، كانوا فرساناً، ولا شك كانوا أشداء وهم يحرسون قريتهم التي تتكون من مركز السلطة فيها، وهو الحصن القديم، حصن حاكم القرية وبيوتها الثلاثين ومسجدها.. الذي يطلق عليه مسجد «الشريعة»، والصفة تعود إلى مجرى الماء الذي يصنعه الزراع من صخور الجبل لسقاية النخيل، فتم اختيار المسجد بالقرب من مجرى الماء لكي يتسنى للمصلين الوضوء..
تلج بقدميك من بوابة القرية القديمة وتكتشف انك في أحضان منزل كبير هو عبارة عن منازل يحيط بها سور.. لا بأس ان أردت قبل الدخول ان تتذوق شيئاً من حلويات الماضي، أو ان تتناول وجبة أعدت على حطب التنور.. فالسيدة الجالسة قرب القدر الكبير ستخبرك متى تكون الوجبة الدسمة جاهزة.. سيتجمهر السواح أمامها وهي تقلب المرق الساخن في القدر الكبير.
ولن تأبه لعدسات الكاميرا أو أضوائها فهي تعتبر نفسها جزءاً من هذا الطقس كله.. التجوال في قرية حتا التراثية يرافقه صمت غريب، فالناس الذين يتجولون بين البيوت ويدخلون الغرف ويخرجون منها لا يتحدثون كثيراً، انهم في حضرة الحديث المنبعث من هذه الجدران القديمة ومن جذوع النخيل ومن الأزقة الضيقة بين البيوت.. حصن الحكم، أو بيت الوالي، هو مركز السلطة وهو مقر التشريع والتنفيذ وهو مقر الأسرة ومجلس الزوار، ومخزن الأسلحة وسجن للخارجين عن قانون القرية والمخطئين الذين أدانتهم العدالة.. بيت واحد يمثل الحكومة بكاملها..
وتسأل نفسك في باحة ذلك الحصن وأنت ترى القطعة الخشبية الثقيلة ذات المنافذ والأقفال، وهي الخشبة التي توثق بها أرجل المساجين، كيف يعيش الوالي أو الحاكم في بيت فيه مساجين، وفيه العسكر والحراس وفيه غرفة الضيوف؟ انها البساطة، فلا شك ان المساجين لم يكونوا غرباء، وان كانوا فليسوا كثر، فقد يكون في الحصن سجين واحد ليوم أو يومين ثم يمضي بعد القصاص منه.. أما مخزن الأسلحة فهو مجهز ومعدل بلوازم الدفاع والحروب.. والحصن لا يوجد جدار فيه سوى غرف النوم والا ويفضي عبر ثقوب في الجدران إلى الخارج، حيث تندس عيون الحراس فيها لمراقبة الخارج.
تخطف قرية حتا وتفاصيلها الزمن منك، ولبرهة تنسيك ما يحيط بها من جبال ومزارع ووديان، وقد تتخلف عن ركب السواح الذين هم بالتأكيد خطفتهم زوايا الأمكنة وتفاصيلها. فخلف هذه المدينة المكتظة بالبيوت الطينية والبيوت المصنوعة من سعف النخيل ولا شك انها تكشف عن التفاوت الطبقي فيها، هناك المقبرة التي تبدو من أعلى وهي ترفع شواهد قبورها تأكيداً على الحضور..
ها هنا يرقد أهالي القرية، أولئك الذين كانوا يتجولون بدلاً عنا في هذه الأمكنة، أو يسكنون البيوت، أو يزرعون المزيد من المحاصيل، أو محاربون كانوا يوماً فوق قمة الجبل، أو خلف أسوار تلك القلعة التي تعتليه.. شواهد صامتة مثل تلك البيوت والغرف. وعلى مقربة من هذه المقبرة، أرض مبسوطة بالأخضر، بالزرع، الحياة في سيرورتها.
تدفع بك قرية حتى وأينما اعتليت حجارة الجبل المحيطة بها إلى توليفات من السرد.. يتحدث السواح الأجانب على اختلاف ثقافاتهم ولغاتهم بهدوء تام لبعضهم البعض عن الأشياء من حولهم.. فالخيام التي تزرع نفسها في الصخور هي بيوت الناس العاديين الذين كانوا..
حجارة من الجبل رصدت ورصفت كجدران بينما سندات من جذوع النخيل ستكون ملائمة لإقامة أسقفها.. خيام قزمة صغيرة، لكنها واسعة ومفصلة تفصيلاً دقيقاً سعياً وراء التهوية ودخول أشعة الشمس.. في هذه الأمكنة كان للرجال والنساء والأطفال أماسي جميلة، هادئة ولا شك كانت مخيفة في ذلك الزمان حيث الصمت والظلام يطبقان على الأشياء وتسهر الليالي بفرح ونشوة حين حضور القمر.
ألوان القرية متشعبة ومتدرجة، أنت في حضرة الطين ودرجاته البنية، لكنك أيضاً في حضرة الخضرة حيث الأشجار، فحتا قرية تربتها غنية جداً بالمواد الداعمة لاخضرار الأشجار، وربما المدنية التي جاءت بها حضارة الاسمنت طغت على جمال كثير كان سر جمال طبيعتها.
وللباحثين عن ثقافة الأمكنة وفضول التلصص على حياة الشعوب، فان هذه القرية الصغيرة توفر مادة جيدة بسبب العناية بها، فيتوفر في تفاصيل تلك البيوت والغرف كثير من المشاهد، أدوات الطهي، أدوات الحروب، أسلحة حراب خناجر وبنادق ومسدسات تعود إلى موديلات قديمة جداً.. أسرة ومفارش.. أساليب وأدوات الصناعات الأولية، معالجة وحفظ الأغذية.
حتا قرية واعدة.. ما ان تنتهي من زيارة القرية القديمة وتعيش لساعات بين أحاديث الصمت التي تجلبها لك تلك الردهات والمماشي والطرق والساحات، وتنتهي أيضاً من اعتلاء البرجين الحارسين للقرية، وتتذوق بعضاً من الأطعمة الشعبية التقليدية وتطلق العنان لسيارتك بجولة قصيرة بين سلسلة البيوت الحديثة وترمي ببصرك في الاتجاهات كلها تشعر انك في مكان مؤهل لكثير من الأحلام والأمنيات، فالأرض غير المنبسطة لحتا توحي لك انها المدينة المفضلة للراحة والاستجمام.
وان هناك سيلاً من الأفكار يجب ان يتداعى ليضيف على طبيعة القرية طبيعة أخرى لا تشوه إيقاعها.. حتا قرية واعدة شريطة ان لا تمس في تفاصيلها وكنوزها الدقيقة.. وتتمنى لو ان الاسمنت لا يحضر إليها، ولو انها تبنى من صخور جبالها التي تحرسها وتظلل بأشجار تربتها الغنية بالطين الحقيقي.. في حتا أيضاً أودية كثيرة تجف وتصبح صخوراً وأتربه حينما يهجرها الماء، لكن ما تهطل الأمطار تتحول الصورة إلى أكثر من خرافة، أنهار وبحيرات حولها وجداول ماء وكثير من الضفادع التي تتقافز على ضفافها.
مرعي الحليان



