لم تحظ رواية جيمس جويس «يقظة فينيغان» على شهرة واسعة على الرغم من عمق تقنياتها وتعقيد شخصياتها وأساليبها السردية، لأنها ببساطة رواية صعبة على القراءة حتى من قبل النخبة الذين اعتادوا قراءة الرواية. ولعل صعوبة قراءة هذه الرواية متأتية من أن جويس استخدم فيها لغات عديدة وخلق كلمات جديدة من خلال استنباطها من ربط الكلمات القديمة بالجديدة في اللغة الانجليزية واللغات الأخرى.
إن أسلوبها التجريبي رشحها لأن تكون إحدى مبتكرات العصر في الرواية على الإطلاق. وهي آخر عمل كتبه الروائي الايرلندي جيمس جويس بعد روايته الشهيرة «يوليسيس». وقد استغرق في كتابتها 17 عاماً متواصلة ونشرها في عام 1939 أي قبل عامين من وفاته. والرواية بكاملها كُتبت بلغة اصطلاحية تحتوي على تعابير لغوية متعددة.
وهذه الرواية التجريبية أصبحت إحدى كلاسيكيات الرواية في العالم. وناقشها النقاد وأعتبرها فرويد فتحاً سيكولوجياً في ميدان الرواية. أما الناقد هارولد بلوم فقد أطلق على الكتاب «رائعة جويس» وقال انها ترقى إلى أعمال شكسبير وداني الكبرى». وذهبت المكتبة الحديثة في انجلترا إلى وضع هذه الرواية عام 1998 في الرقم 77 من لائحة أعظم 100 رواية مكتوبة باللغة الانجليزية في القرن العشرين.
تعتمد الرواية بكاملها على فكرة أساسية وهي استعادة تجربة النوم والأحلام. فإذا كانت «يوليسيس» عن النهار، فإن «يقظة فينيغان» عن الليل، حيث عبّر عن ذلك من خلال أسلوب تيار الوعي وارتباطات الحلم والمخيلة واستشراف اللاوعي.
وتتعامل الرواية بطريقة تقليدية كما يظهر للوهلة الأولى عن عائلة ايرويكر التي تتكون من الأب والأم وثلاثة أولاد. وتبدو الرواية كلها عبارة عن فقرة واحدة تبدأ ولا تنتهي إلا في النهاية. وتنقسم إلى 17 فصلاً، ومقسمة إلى 4 كتب. الكتاب الأول يحتوي على 8 فصول والثاني والثالث يحتوي على 4 فصول والخامس يحتوي على فصل قصير واحد. تظهر الفصول بدون عناوين ولم يفعل ذلك كما فعل مع روايته «يوليس» التي زودها بعناوين الفصول بل ترك العناوين في هذه الرواية إلى ذهن القارئ وحدسه في صياغة عناوينه الخاصة.
قراءة هذه الرواية صعبة للغاية كما أسلفنا لذلك ينصح مترجمها إلى اللغة الفرنسية فيليب لافيرجين الذي أمضى عشرين عاماً في ترجمتها إلى الفرنسية، قارئ الرواية أن يبدأ بقراءتها من الفصل الخامس والتاسع لأن جويس يسرد في هذين الفصلين كيف جاءته فكرة كتابة هذه الرواية مما يسهل على القارئ تسلسل أحداث الرواية فيما بعد على الرغم من أنها قصة تجريبية أكثر من كونها قصة معتادة على الرغم من وضوح شخصياتها التي تتكون من عائلة واحدة. وهي قصة غرائبية بكل معنى الكلمة إذ تقوم زوجة البطل في الفصل الأول بوضع جسد زوجها كوجبة إلى النادبين في يوم الحداد، ولكنه يختفي قبل أن يتمكنوا من أكله.
وهناك قصص عديدة ترتبط بفينغان الميت، ومن ثم المعركة التي تندلع بين النادبين في وفاته حيث ينسكب الخمر على جسده، وينهض من كفنه ولكنهم يضعونه في مكانه ويؤكدون أن موته أفضل من حياته. وهناك تداعيات لهذه الشخصية التي سرعان ما تنهض من الموت لتبحر إلى دبلن ويتحول إلى الشخصية الرئيسية في القصة. ويتخذ البطل أسماء عديدة منها ايرويكر الذي يختفي في بلده دبلن. وهناك تدور شائعات حوله باقترافه جريمة ويقدم إلى المحاكمة.
ففي الفصل الأول يتعامل المؤلف مع البطل الرئيسي وزوجته «ألفا» إلا أن الفصل الثاني يركز على أولادهما : شيم، شاون، وايسي. الأب يعمل في البار وأولاده يدرسون في بيتهم الكائن في الطابق الأول على البار. وبينما يخدم الأب زبائنه في البار، يقوم شخصان من الراديو بسرد قصة عن «القبطان النرويجي وابنة الخياط» و «الضابط باكلي الذي يقتل الجنرال الروسي». وهنا يبدأ الأب باعترافاته بجرائمه أثناء سماعه هذين البرنامجين الاذاعيين.
ومن ضمن جرائمه رغبته الشبقية للفتيات الصغيرات. ثم يأتي رجال الشرطة لكي يبعثوا الزبائن السكارى إلى بيوتهم ويغلق البار. ويركز الكتاب الثالث على شخصية الابن شاون الذي يقوم بدور ساعي البريد من خلال تسليم رسالة كتبتها أمه عن جرائم الأب. ويأتي صوت الأب من خلال وسيط روحي.
وفي الكتاب الرابع الذي يحتوي على فصل واحد، يتكون من سلسلة من التداعيات. حيث تكون «الفا» الزوجة المتحدثة الوحيدة حيث تقوم بإلقاء رسالتها الطويلة والتي هي عبارة عن مونولوج داخلي لا ينتهي، يشبه في تدفقه نهر «ليفي» الذي يختفي في المحيط عند الفجر كما يختفي كل الكلام في الرواية عند الفجر أيضاً. كلمات الكتاب الأخيرة هي عبارة عن فقرات ولكنها يمكن أن تتحول إلى جملة كاملة من خلال ربطها بالكلمات التي بدأت بها الرواية.
وهكذا نكون في قلب الحدث من خلال جملة واحدة من أول الرواية إلى آخرها. إنها حقاً رواية بامتياز عن الليل وهواجسه وقلقه وألغازه من خلال لغة وأسلوب قل نظيرهما في الأدب المعاصر على الإطلاق.
الكتاب: يقظة فينيغان
تأليف: جيمس جويس
الناشر: فيبر أند فيبر 1939
الصفحات: 1000 صفحة
القطع : الكبير
شاكر نوري

