تعتز الشعوب بشعرائها، والشعر ديوان العرب، لذا تجدنا نرتبط بالشعر جدلاً، فما من عربي إلا وتجد شاعراً في داخله، بل حتى ساسة العرب وقياداتهم يميلون إلى التمثيل الشعري على الرغم مما ينبغي أن يكونوا أكثر فئات المجتمع بعداً عن الشعر.
فالسياسة لا ترتبط برومانسية الشعر، إنما بالحقائق على الأرض، أو بما يمكن للسياسي أن يراوغ، ويخادع، وتجد قادة العرب في التاريخ كما في عهدنا المعاصر يميلون للشعر، حتى وهم يخفقون في قيادتهم إلا أن الشعر يظل هو الملاذ لهم أو لهزيمتهم، ولعلنا نذكر صدام حسين وهو يردد أبياتاً من الشعر الضعيف نسيجاً وفناً وهو يعاني من هزيمة كبيرة لم يشهدها التاريخ، بل كان يدرك أن كل ما حوله انهار، أمام الآلة العسكرية الأميركية، إلا أن البيت الذي لم تستطع هذه الآلة هدمه هو بيت القصيد.
مرة كنا نحضر ندوة أدبية في الجزائر وتوزيع جوائز البابطين للإبداع الشعري، وكان من المقرر أن يفتتح الرئيس الجزائري بوتفليقة هذه الندوة، وبالفعل جاء الرئيس واعتلى المنصة، وكان الحاضرون يتوقعون منه أن يتحدث في السياسة، أو الإرهاب الذي كان يومها يهز أركان الحياة اليومية في الجزائر، إلا أننا فوجئنا بمحاضرة طويلة عن الشعر العربي، بتاريخه الذي يمتد عميقاً ليجعل من المتنبي أنموذجاً لهذا الشعر.
وأثبت بوتفليقة يومها أنه باحث متخصص في الأدب وحافظ للشعر العربي، عالم بفنونه، وبحوره، حتى قال أحد الخبثاء أنه باحث في الأدب أفضل منه رجل سياسة، وقد دامت محاضرته أكثر من ساعتين متواصلتين وسط ما يقارب من ألف أديب وكاتب وشاعر عربي حضروا تلك الأمسية الفريدة من نوعها، حتى أن جريدة البيان كتبت يومها بالخط العريض على صفحاتها معلنة عن «بوتفليقة ناقداً».
والأمر لا يقتصر على المثالين السابقين إنما يمتد إلى العديد من الرؤساء والملوك العرب، موزعين على خارطة الوطن العربي، ومتوارثين هذه الصفة في تذوق الشعر وترديده، وبعضهم يبدع في نظمه، فصيحاً أو بلهجات محكية، أو أنك تفاجأ بواحد منهم ضالعٍ في اللغة وعالمٍ في أسرارها، قادرٍ على توظيف مفرداتها، ولعلي أذكر للأمير الحسن يوم كان ولياً للعهد وقد حضرت له محاضرة عن الحريات في الجامعة الأردنية في عمان، فأذهل الحاضرين ببلاغته المرتجلة وتضمين محاضرته بأبيات من الشعر.
الشعر ديوان العرب قديماً، وحاضراً، ويخطئ من يقول إن الشعر سينحسر عن هذه الأمة، ولا أؤمن بكل الدراسات النظرية التي أعدت لإعلان موت الشعر، لأن الإنسان العربي عاطفي بطبعه، شاعر بالولادة، قد يتعرض الإبداع الشعري للتراجع، أو قد يختفي عمالقة القصيد، إلا أن الشعر سيظل هو الهاجس اليومي، والملاذ الشخصي لكل عربي في انتظار، عودة قاماته الشعرية، فكل جيل له قممه، وله وشعراؤه، وله قصيدته.
