«نضال أميركا اللاتينية من أجل الديمقراطية»، كتاب جماعي لعدد من الأكاديميين والباحثين والإعلاميين الذين يكتبون عن التجربة اللاتينية الديمقراطية أو عن تجربتها في هذا البلد أو ذاك من بلدانها. بعض الدراسات التي يحتويها الكتاب جرى تحريرها خصيصا له وبعضها الآخر كان قد جرى نشرها سابقا» في هذه الدورية أو تلك ثم أعاد أصحابها النظر فيها على ضوء المستجدات كي تجد مكانها فيه.

الكتاب مكرّس لدراسة عدد مهم من الحالات العيانية لتجارب ديمقراطية شهدتها أميركا اللاتينية وفي مقدمتها الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا والإكوادور والشيلي وفنزويلا والبيرو. ويعني القسم الثالث والأخير بتفحّص حالات «خاصة» في التجارب «الديمقراطية» مثل المكسيك وأميركا الوسطى ومنطقة بحر الكاريبي.

ويتم التأكيد في مجمل مساهمات هذا الكتاب على القول أن مختلف بلدان أميركا اللاتينية ولجت منذ ثلاثين سنة تقريبا السبيل الديمقراطي، إلى هذه الدرجة أو تلك وبأشكال وأنماط مختلفة. وكانت هذه الموجة الديمقراطية قد استطاعت الإطاحة بالحكومات العسكرية التي كانت تتولى مقاليد السلطة في بلدانها وليس أقلها شهرة تلك التي كان يمثلها اوغستو بينوشيه في الشيلي واللجنة العسكرية في الأرجنتين. باختصار كان التسلط العسكري هو القاعدة السائدة، في أميركا اللاتينية وكانت أغلبية تلك الأنظمة تلقى دعم الأجهزة السرية الأميركية.

وتلتقي المساهمات المقدّمة في هذا الكتاب أيضا على القول أن التجارب الديمقراطية التي عرفت طريقها إلى بلدان أميركا اللاتينية جلبت معها الكثير من المكتسبات الإيجابية لشرائح كبيرة من السكان كانت عمليا خارج أي فعل سياسي، كان لها أيضا ـ أي التجارب الديمقراطية- وجها آخر أقل إيجابية، هذا إذا لم تكن لها سلبياتها الكبيرة. ولا يتردد عدد من المساهمين في القول أن مشاكل كبيرة «مهددة» قد ترتبت على بعض «الصيغ الديمقراطية». هكذا يتم الحديث عن مشاكل «عديدة» و«عميقة» ترافقت مع انتشار بعض التوجهات «الشعبوية» التي يتم وصفها أحيانا أنها «غير ديمقراطية» وأنها ذات منحى «استبدادي».

كذلك يتم الحديث كثيرا في مساهمات هذا الكتاب عن واقع العجز الذي تعاني منه «المؤسسات الديمقراطية» في العديد من بلدان أميركا اللاتينية. ذلك على قاعدة أنها لا تملك تاريخا «عريقا» في المسار التاريخي للبلدان المعنية بها، بالإضافة إلى عدم وجود حدود واضحة المعالم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. يضاف إلى هذا أيضا واقع الهشاشة الاقتصادية التي تلقي بظلالها على حسن سير الآليات الديمقراطية.

ويتم التأكيد أيضا أن «الديمقراطية» لا تعني عمليا الشيء ذاته في جميع بلدان أميركا اللاتينية. وهكذا يشير دييغو برون، أحد المشرفين على هذا الكتاب، بضرورة الحديث عن «الديمقراطيات» بصيغة الجمع وليس عن «الديمقراطية» بصيغة المفرد في أميركا اللاتينية. ويذكر بهذا السياق «الديمقراطية الليبرالية» على أنها «الأكثر ديمقراطية» بين مختلف الصيغ.

كذلك يختلف النهج الذي تبنّته بلدان أميركا اللاتينية من بلد إلى آخر فيما يتعلق بالبرامج التي جرى اعتمادها في إطار السياسات الاجتماعية الرامية إلى تحسين مستوى معيشة أوسع الشرائح الشعبية. هذه البرامج تختلف وتتباين عمليا على ضوء علاقة هذا البلد أو ذاك مع المستلزمات والقواعد التي تفرضها المنظمات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. إن كل بلد من بلدان أميركا اللاتينية يواجه «التحدي» المفروض عليه حسب الآليات المتوفرة لديه.

وتشير السيدة فكتوريا موريللو إلى أن الأرجنتين أثبتت خلال الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي واجهتها أن تجربتها الديمقراطية تمتلك من المميزات ما يسمح لها بوضع حد أمام إمكانية أي تدخل للعسكر في اللحظات الصعبة. لكن بالمقابل تعاني الديمقراطية في بوليفيا والبيرو من عدة نقاط ضعف في مواجهة تهديدات كبيرة. وتتم إعادة هذا الضعف إلى مسألة أساسية تتمثل في «نقص التجديد السياسي»، كما يؤكد جورج كاستانيدا في مساهمته أن المؤسسات الديمقراطية في البلدين المذكورين ضعيفة و«يبدو أن العسكريين ينتظرون في ثكناتهم»، على حد قوله.

أما أكبر التحديات التي تواجه الديمقراطية في أميركا اللاتينية فيتم تحديدها ب«الفقر وحدّة عدم المساواة». هذا ما يؤكده كريستوفر ساباتيني في مساهمته التي تتركز تحليلاتها على تفحّص «سوق العمل» في أميركا اللاتينية. ويتم وصف هذه السوق أنها «لا تمتلك بنية منظّمة» على الصعيد الإقليمي كله، وأنها تعاني من «نقصان المرونة». ثم إن الكتلة الكبرى لليد العاملة لا تزال «خارج المنظومة» سياسيا واقتصاديا. ويتم طرح السؤال التالي: هل يمكن لمسيرة التقدم «الديمقراطي» التي حققتها أميرا اللاتينية خلال العقود الثلاثة الأخيرة أن تبقى وتستمر رغم تباطؤ النشاط الاقتصادي؟ الإجابات المقدّمة تميل إلى القول إن الأمر يتعلّق كثيرا بدرجة المساعدة والدعم الخارجيين. ذلك أنه لا تزال هناك ساحة للتراجع.

الشعارات نفسها

تتمثل الشعارات التي تتردد في تحليلات هذا الكتاب لنضال أميركا اللاتينية من أجل الديمقراطية بمقولات تتكرر غالبا مثل «الديمقراطية» عامل في صنع السلام، و«معارضة الاضطهاد الاقتصادي والتهميش الاجتماعي» و«العمل على ضرورة إصلاح العلاقات السياسية» و«الانتخاب الديمقراطي لمختلف ممثلي الشعب» على مستوى سلطات البلاد... إلخ.

المساهمون في الكتاب

المساهمون في هذا الكتاب هم مجموعة من الأساتذة الجامعيين والباحثين والصحفيين الذين قدّموا دراسات حول الديمقراطية في أميركا اللاتينية ويشرف عليه دييغو ابينني برون، المدير المساعد للمنتدى الدولي للدراسات حول الديمقراطية في أميركا اللاتينية الديمقراطية أو عن تجربتها في هذا البلد أو ذاك من بلدانها. بعض الدراسات الأميركية-اللاتينية في جامعة نيويورك.

الكتاب: نضال أميركا اللاتينية من أجل الديمقراطية

تأليف: دييغو بورن وآخرون

الناشر: جامعة جون هوبكنز ـ 2008

الصفحات: 328 صفحة

القطع: المتوسط

Latin America?s struggle for democracy

Diego Burn and

John Hopkins University Press- 2008

328 P.