انتهت الحرب العالمية الثانية في خريف عام 1945 عندما رفعت اليابان رايات الاستسلام بعد أن قصفت الطائرات الأميركية مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالقنابل النووية.
يستنتج كتاب «القنبلة الذرية وأصول الحرب الباردة» لمؤلفيه كامبل كريغ وسيرجي روشنكو أنهت القنبلة الذرية إذن حربا كونية، لكنها فتحت بنفس الوقت مرحلة جديدة من تاريخ الإنسانية. وفهمت القوتان العظيمتان المنتصرتان في تلك الحرب، أي الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق أنه مطلوب منهما البحث جديا عن منظومة دولية جديدة تحقق تجنّب قيام حرب عالمية نووية تهدد بقاء البشرية كلها.
تلك «المنظومة الجديدة» المنشودة عُرفت فيما بعد ب«الحرب الباردة» التي ساد فيها «سلام الرعب» أي السلام تحت ظل قناعة ثابتة أن القوى النووية تستطيع تحقيق «الدمار المتبادل». «القنبلة الذرية، وأصول الحرب الباردة» هو كتاب يدرس مؤلفاه العلاقة بين «التفجيرات النووية الأولى» و«بدايات الحرب الباردة».
الأطروحة الرئيسية التي تدور حولها تحليلات هذا الكتاب تتمثل في القول أن القنبلة الذرية لم تدفع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق إلى التعاون الحقيقي وإنما إلى الدخول في منافسة بل وفي مواجهة ثنائية لا هوادة فيها. ويتم في هذا السياق تحميل وزر ذلك على كاهل جوزيف ستالين، الزعيم السوفييتي آنذاك، والذي ساد لديه الاعتقاد بل والقناعة، كما يؤكد المؤلفان، أن الولايات المتحدة سوف تلجأ إلى استخدام السلاح النووي ضد بلاده.
كما فعلت ضد اليابان، وأنها تريد تدمير المنظومة الاشتراكية التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي. ولذلك كان رد ستالين هو السعي الحثيث من أجل تزويد بلاده بالسلاح النووي أيضا ووضع حد للتفوق الأميركي، والغربي عامة، في الميدان النووي.
بالمقابل يشرح المؤلفان بإسهاب الموقف الأميركي آنذاك ويشيران إلى أن الرئيس هنري ترومان أراد في البداية التعاون فعليا في سبيل الوصول إلى نظام يجنّب العالم الحرب النووية. ولكنه لاحظ بعد ذلك أن متابعة ذلك التعاون، مقابل إصرار السوفييت على بناء ترسانة أسلحتهم الفتّاكة، إنما كان يعني «الانتحار السياسي». وزادت مثل تلك القناعة لدى الأميركيين عند اكتشاف عدد من الشبكات والجواسيس الذين كانوا يستهدفون الحصول على معلومات تتعلق بالسلاح النووي.
وفي مثل ذلك السياق فهم الطرفان أن التنافس والإفراط في السباق إلى التسلح لا نهاية له، بالإضافة إلى الكلفة الباهظة المترتبة عليه. كما فهما أن أي تعاون ينبغي أن يكون كاملا وشاملا، ذلك أن «الإجراءات الوسيطة لا تحمي أحدا».
بهذا المعنى قاد «منطق القنبلة» إلى منظومة «الحرب الباردة» التي انبثقت، حسب أطروحة المؤلفين، ك«ناتج فرعي» من الحرب العالمية الثانية. وبالتحديد أكثر من حالة «التوتر» المتعاظم في الفترة التي تلتها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. ورغم «التحالف لفترة قصيرة» أثناء الحرب فإن رؤيتي القوتين العظميين للعالم تباعدت بعدها. وأدّى غياب الدبلوماسية الحقيقية بينهما إلى تفاقم المشكلة ليبرز شيئا فشيئا شبح مواجهة قادمة مع تزايد الخشية منها بسبب وجود القنبلة الذرية.
وبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة برز أيضا التنافس بين المفاهيم الغربية القائمة على «سيادة اقتصاد عالمي لبرالي» و«قانون دولي» و«ديمقراطية» و«حقوق إنسان»، أي ما شكّل رؤية «إيديولوجية» متعارضة إلى حد التناقض مع الرؤية السوفييتية «الاشتراكية» وما تستدعيه من «عدالة اجتماعية» و«إعادة توزيع الثروات».
وبدا أن القيادة الأميركية لوّحت في سياق تلك المواجهة أنها قد تستخدم تفوقها العسكري «النووي» من أجل فرض رؤيتها لفترة ما بعد الحرب على ستالين. لكن القائد السوفييتي كان يدرك أن بلاده كانت سوف تمتلك قريبا السلاح الذرّي وكان على علم بمسيرة الأبحاث الذريّة الأميركية منذ عام 1932 بفضل جواسيسه فوق الأرض الأميركية. ولم يتأخر ستالين في تبنّي برنامج للتطوير النووي في بلاده بعد رؤيته ل«الأثر الحاسم» الذي تلعبه في مسار الحروب.
كان الوزير الأميركي على قناعة ثابتة أن السوفييت هم على وشك تصنيع السلاح النووي وأنه بدون التوصل إلى «قيادة ذرية دولية» تؤمن وتشرف على تبادل المعلومات حول الاستخدام التجاري والإنساني للطاقة الذريّة، فإن سباقا خطيرا للتسلح سوف يتم الشروع به مع السوفييت. وكان «اشيسون وليليانتال» قد أعدّا تقريرهما حول تلك «القيادة الذرية الدولية» المطلوبة.
وكان من بين الإجراءات التي اقترحها التقرير أن تقوم الولايات المتحدة بالتمويل التدريجي للمعارف العلمية والمواد النووية وبعض القنابل التي تمتلكها إلى لجنة الطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة، وبحيث يتم العمل بأنظمة صارمة للتفتيش لمنع الأمم الأخرى، أي الاتحاد السوفييتي، من صنع القنبلة سرا. لكن الأمور سارت بشكل مغاير، وامتلك الاتحاد السوفييتي قنبلته الذرية... وكانت الحرب الباردة.
سباق التسلّح
يربط كامبل كريغ وسيرجي روشنكو المشروع الأميركي في الدخول جديا بمنطق الحرب الباردة بوفاة الرئيس روزفلت ووصول هنري ترومان إلى سدة الرئاسة. ذلك أن هذا الأخير كان على قناعة أنه لا يمكن الاستمرار بالتعاون مع السوفييت في ظل سعيهم الواضح لتعزيز ترسانة أسلحتهم على خلفية السباق مع أميركا . ويفتح المؤلفان هنا قوسين للتأكيد أن مثل ذلك التعاون كان ممكنا لو لم يتم اختراع القنبلة الذرية ثم استخدامها.
المؤلفان في سطور
يعمل كامبل كريغ أستاذا للعلاقات الدولية في جامعة سوثامبتون، كما يقوم بالتدريس في كلية لندن للعلوم الاقتصادية. ويقيم في العاصمة البريطانية. وكان قد عمل سابقا بجامعة كونتربيري في ايسلندة الجديدة وكأستاذ زائر في جامعة يال الأميركية. من كتبه «الشعاع المهتز» عن العلاقات الدولية في العصر النووي وسيرجي رودشنكو هو أيضا أستاذ للتاريخ الدولي في كلية لندن للعلوم الاقتصادية.
الكتاب : القنبلة الذرية وأصل الحرب الباردة
تأليف: كامبل كريغ سيرجي روشنكو
الناشر: جامعة يال 2008
الصفحات: 232 صفحة
القطع: المتوسط
The atomic bomb and the origin of the cold war
Campbell Craig, Sergey Radchinko
Yale University Press- 2008
232 P.

