«ميديا بارانويا» كتاب عن وسائل الإعلام الفرنسية وآليات عملها. ويناقش مؤلفه، لوران جوفران، فيه عددا من الأفكار التي تتردد باستمرار، «الكليشيهات» كما يقول، أن «وسائل الإعلام تكذب» و«خاضعة للسيطرة»، وهي ذات طابع دعائي عبر «ترويج فكر ذي بعد واحد». باختصار أنها وسائل إعلام تعمل على صياغة رأي عام، على هواها، ولا تتردد في «التلاعب» من أجل ذلك.
هذه «الكليشيهات» ترسم عمليا صورة للإعلام، يرى المؤلف أنه تمكن تسميتها ب«وسائل إعلام عصابية» أو «ميديا بارانويا» تحركها مجموعة من «الأفكار والأحكام المسبقة». وإذا كان يردد قول الجميع من إعلاميين ومحللين وغيرهم، ومن مختلف المشارب، أنه «من المطلوب» توجيه الانتقادات لوسائل الإعلام و«من المفيد» التشكيك بممارسات الصحفيين، و«من الضروري» تصحيح المعلومات الخاطئة وعمليات التزوير والتلاعب، و«شجب» الآثار السلبية للسيطرة الاقتصادية أو السياسية على وسائل الإعلام، فإن المؤلف يقول أن «تصحيح» هذه المسالب كلها يتم غالبا على أساس «مواقف جاهزة».
ويكمّل المؤلف الصورة السائدة عن وسائل الإعلام، في فرنسا، ولكن التي يمكن تعميمها إلى مختلف البلدان الغربية «الديمقراطية» بالقول أن مثل هذه «الكليشيهات» تلقى أيضا «دعم» جامعيين ورجال سياسة ويترتب عليها أحيانا «كبوش فداء». وهي تصيغ إجمالا مجموعة من الأفكار العامة السائدة عن صورة الإعلام اليوم.
بعد رسم هذه الصورة السائدة لدى الرأي العام عن وسائل الإعلام يقدّم المؤلف نوعا من «المرافعة» التي تذهب في اتجاهين أساسيين. فمن جهة يؤكد على أن الأفكار السائدة ك«مسلّمات» هي خاطئة بعمقها أو أنها ذات طابع «كاريكاتوري». ومن جهة أخرى ينبغي فتح الطريق أمام نقد حقيقي للصحافة والانتهاء من وسائل الإعلام المصابة ب«العصاب» و«انفصام الشخصية».
بهذا المعنى يمكن اعتبار هذا الكتاب بمثابة دراسة حول الخطاب المناهض لوسائل الإعلام. ولكن من باب القول أن القيام بعملية نقد حقيقي للمنظومة الإعلامية في البلدان الديمقراطية يمكن أن يؤدي إلى المساهمة بإصلاحها وليس ب«رفضها» على قاعدة القول أنها «مرتهنة». هذا مع التأكيد على أهمية الكشف عن الممارسات الصحفية «الملتوية» والكشف عن كل ما يتعلق بالتضليل الإعلامي الذي قد يتم اللجوء إليه في منظور خدمة أهداف «معينة».
إن المؤلف ومن موقعه كأحد «أرباب» مهنة الصحافة في فرنسا منذ سنوات طويلة يفتح في هذا الكتاب أبواب النقاش حول مهنة وعالم وسائل الإعلام بالمعنى الأشمل للكلمة. وإذا كان يقرّ بوجود أزمة في هذا العالم فإنه يحدد هدفه بمحاولة الدفع نحو «إدراك» الدور المركزي التي تلعبه وسائل الإعلام، وواقع أن أعدادا كبيرة أصبحوا «يعزفون» عنها وتحديدا بسبب «نقص مصداقيتها».
ونقرأ في أحد مقاطع هذا الكتاب: «ليس هناك ما ينتظره الناس من وسائل الإعلام وليس هناك ما يمكن إنقاذه من الصحافة. وهذا يترتب عليه عدم إعطاء الثقة سوى لمؤيدي القطيعة، ولدعاة مناهضة مختلف الأنظمة ولرموز الراديكالية، من اليمين كانوا أو من اليسار، فهؤلاء عرفوا كيف يتخصلون من الأوهام الصحفية كما من الدخان الديمقراطي».
ويصف المؤلف «وسائل الإعلام العصابية» أنها تمثل «ضربا من الإيديولوجيات السلبية والتهويمية». ولكن بنفس الوقت ذات الفعالية الكبيرة طالما أنها تقول وتكتب وتعرض ما يريد أن يسمعه أو يقرأه أو يشاهده المعنيون بها. وتردد أمام الجميع، وبمختلف السبل، مجموعة من الأفكار والأحكام المسبقة المتجذرة في أذهان البشر على أنها حقائق ثابتة وأبدية، رغم ثبات بطلان العديد منها.
ومن النقاط الأساسية التي يركز عليها المؤلف في تحليلاته لعالم وسائل الإعلام اليوم في البلدان الديمقراطية هو أن منظومتها تمتلك عادة قدرة كبيرة على «الضبط الذاتي». هذا ما أثبتته حالات كثيرة عرفت فيها كيف تعود إلى «الطريق المستقيم» بعد أن كانت قد انحرفت عنه. ولا يتردد في التأكيد أن الصحافة هي التي «صححت» في أغلب الأحيان الأخطاء المرتكبة. لكن هذا لا يمنع واقع أنه ورغم «التصحيح» تبقى عامة بعض الآثار والندوب التي لا تزول.
ومن الأمثلة الكثيرة التي يذكرها المؤلف ما كانت وسائل الإعلام الغربية قد نشرته عمّا أسمته مجزرة «تيميشوارا» أثناء الانتفاضة الرومانية التي أطاحت بنظام نيكولاي شاوشيسكو. لقد تحدّثت وسائل الإعلام يومها طويلا وعرضت صور أطفال على أساس أن النظام «الدكتاتوري» قد قتلهم وبقر بطونهم. لكن الحقيقة كانت هي أنه كان قد تمّ جلبهم من مشارح مستشفيات المدينة التي كانوا قد ماتوا فيها. الصحافة نفسها هي التي عادت وكشفت عن الخطأ الذي وقعت فيه، بل وروّجت له.
وحادثة أخرى قريبة العهد في فرنسا حيث جرى الحكم على 13 شخصا توفي أحدهم في السجن في القضية المعروفة باسم «قضية اوترو» الخاصة بالاعتداء الجنسي على مجموعة من الأطفال. ما يؤكده المؤلف هو أن الحملة التي قامت بها وسائل الإعلام وأصغت لها العدالة منعت القيام بأي تحقيق جدّي. هكذا صدرت الأحكام ليظهر بعد ذلك أنها قامت على خطأ وشهادات كاذبة لا علاقة لها بالواقع الذي كشف عنه الفاعلون الحقيقيون أنفسهم.
مثل هذه الحوادث وكثير غيرها مما ساهمت وسائل الإعلام بالتعرّض له، مطلوب منها أن تساهم في زيادة وعي هذه المسائل بمهمتها. ثم يتم التأكيد في نفس السياق أن القارئ أو المستمع أو المشاهد يتمتعون ب«ذاكرة» أفضل من وسائل الإعلام، وهم يدركون أنها قد أخطأت في أحيان كثيرة ولا يترددون في «الثأر» منها عير العزوف عنها. إن لوران جوفران يوجه في تحليلات هذا الكتاب نقدا شديدا للصحافة لكنه يبقى وفيا للمهنة ويدافع عنها بعيدا عن «ذهنية المؤامرة» التي يرى فيها «عقبة كبيرة أمام النقد الجدّي».
أية ديمقراطية
تعتبر بعض وسائل الإعلام أن ديمقراطية حقوق الإنسان لا تعني تمتع جميع المواطنين في الحقوق والواجبات كما نصّت عليه المبادئ المعلنة. ولكن تراها بالأحرى نوعا من «الصياغة» التي ترمي تحديدا، وبعيدا عن حقوق الشعوب، إلى خدمة مصالح فئات محدودة من المنتفعين من الديمقراطية على مستوى العالم كله.إنها رؤية انتقائية تمارسها القوى التي تقول أنها حاميتها والمطالبة بتعميمها.
المؤلف في سطور
يعمل لوران جوفران مديرا لصحيفة «ليبيراسيون» الباريسية ورئيسا لتحريرها منذ عام 2006. يحمل شهادات تأهيل عليا في مجالي العلوم السياسية والعلوم الاقتصادية. وكان قد عمل في مجلة «لونوفيل اوبسرفاتور» وانتقل بين عدة صحف وهو أحد أبرز الوجوه الإعلامية الفرنسية اليوم.
الكتاب: وسائل الإعلام العصابية «ميديا بانوراما»
تأليف: لوران جوفران
الناشر: سويل ـ باريس 2009
الصفحات: 132 صفحة
القطع: المتوسط
Media paranoia
Laurent Joffrin
Seuil - Paris- 2009
132 P.

