«سان جون بيرس»، اسم في عالم الشعر وصاحبه هو الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1960. لكن هذا اسم مستعار اختاره الشاعر الذي عمل لسنوات دبلوماسيا فرنسيا باسمه الحقيقي «اليكسيس ليجيه». وهذا ما أراد أن يختزله رونو ميلتز كاتب سيرته الجديدة ، وربما الأكثر اكتمالا، رونو ميلتز كعنوان للكتاب الذي نقدمه: «اليكسيس ليجيه، المسمّى سان جون بيرس».

تولّى اليكسيس ليجيه، «سان جون بيرس» منصب الأمين العام لوزارة الخارجية الفرنسية ما بين عام 1933 وعام 1940. وكان هو أحد المساهمين الرئيسيين في صياغة مبدأ «عدم التدخل» في الحرب الأهلية الاسبانية عام 1936، وهو الذي قاد المفاوضات التي أدّت إلى توقيع الاتفاق مع هتلر الذي يصفه المؤلف ب«الغامض»، في مدينة ميونيخ عام 1938 ولم يتردد هذا الدبلوماسي الرفيع في الهرب من فرنسا عندما شبّت الحرب العالمية الثانية واجتاحت القوات النازية بلاده.

كذلك لم تتردد حكومة فيشي التي تعاونت مع الاحتلال في نزع الجنسية الفرنسية عنه. لكن الدبلوماسي-الشاعر لم ينضم مع ذلك إلى معسكر فرنسا الحرّة بقيادة الجنرال ديغول، بل على العكس تماما قاد من الولايات المتحدة الأمريكية حيث اختار منفاه حملة مناوئة للديغولية. هذه هي المحطات الرئيسية التي يتعرّض لها المؤلف في سيرة حياة الدبلوماسي اليكسيس ليجيه.

وعبر التعرّض لهذه المسائل كلها في حياته يؤكد المؤلف على أن ليجيه- بيرس كان «مأخوذا» باستمرار بالبحث عن القوة والمجد». وهكذا يرى مثلا أن المفاوضات التي أجراها في ميونيخ مع هتلر من موقعه كأمين عام لوزارة الخارجية الفرنسية كانت بدافع حرصه على ما كان يعتقده الأفضل لفرنسا، ولكن قبل ذلك بدافع خدمة مساره المهني.

كما يؤكد أن معارضته السرية للجنرال ديغول كانت في عمقها بدافع البحث عن «مكافأة» كبيرة عند التحرير في إطار الاتفاقات التي قد يتم عقدها. وضمن نفس النهج من التحليل يرى المؤلف أن الشاعر لم يتردد في «الاستعانة» بموقعه الدبلوماسي وبشبكة العلاقات التي نسجها، للحصول على جائزة نوبل للآداب.

أما الشاعر «سان جون بيرس» فيرى فيه مؤلف هذا الكتاب مزيجا من الخيال المبدع ل«مالارميه» و«بول كلوديل» وحيث أضاف لهذا المزيج «نكهته الخاص». ويبدو الشاعر «بعيدا جدا» عن الدبلوماسي إذ لا يجمع بينهما سوى شيء واحد هو أنهما لشخص واحد. ويتم التذكير في هذا السياق أن الجمع بين الدبلوماسية والشعر ليس غريبا عن الحياة الثقافية الفرنسية.

ولا يتردد رونو ميلتز أيضا في التأكيد أن ليجيه-سان بيرس أراد إعادة كتابة تاريخه الشخصي بكثير من «البراعة»، التي «تقارب كتابته للشعر». ويشير إلى أنه كرّس سبع صفحات كاملة، في مجوعة «البلياد» المكرّسة له، هدف منها إلى تثبيت انتمائه إلى الطبقة الأرستقراطية الفرنسية. لكن ذلك لم يكن يمتّ إلى الواقع بشيء وإنما هو محض اختراع خياله الخصب. وكان حرصه على حمل اسم مستعار «سان بيرس» هو أيضا من باب البحث عن وضع كنية «ليجيه»، التي تعني «خفيف» باللغة الفرنسية جانباً.

ويرى رونو ميلتز أن مثل ذلك البحث الحثيث عن الرفعة بكل السبل يعبّر في الواقع عن «أزمة هوية» بين الدبلوماسي الذي بقي، رغم المناصب العليا التي شغلها، محصورا بالإطار المهني، وبين الشاعر ب«الاسم الآخر» الذي غدا أحد أشهر شعراء عصره. وبكل الحالات يشير المؤلف إلى أن فترات الإنتاج الشعري الخصب لدى سان جون بيرس كانت عندما توقف «اليكسيس ليجيه» عن انخراط في النشاط الدبلوماسي أو غيره، وبعيداً عن الحسابات والبحث عن «فرص الارتقاء».

وفي المحصلة نحن أمام كتاب عن سيرة حياة الدبلوماسي والشاعر «سان جون بيرس».

ويمكن وصف هذا العمل أنه بعيد عن المحاباة. وإذا كان إعجاب مؤلفه بصاحب السيرة واضحا فإن هذا لم يمنعه من استخدام حسّه النقدي بامتياز.

دبلوماسيون شعراء

كان القرن التاسع عشر قد عرف حالات شبيهة مع «شاتوبريان» و«ستاندال». وكإشارة سريعة دومينيك دوفيلبان، رئيس وزراء فرنسا السابق، هو أيضا شاعر مرموق وله كتاب عن الشعر غدا من الكلاسيكيات تحت عنوان «سارقو النار». وكانت الدبلوماسية الفرنسية قد ضمّت في «سلكها» شعراء ومبدعين من أمثال بول كلوديل وبول موران وجان جيرودو.

المؤلف في سطور

رونو ميلتز، مؤرخ فرنسي. كان قد نال شهادة الدكتوراه في التاريخ حول أطروحة عن العلاقة بين الدبلوماسية والأدب. ويعمل الآن أستاذا للتاريخ في «بولينيزيا» الفرنسية، إحدى مقاطعات فرنسا ما وراء البحار. بعد فترة تدريس أولى في جامعة السوربون، «المسمّى سان جون بيرس، اليكسيس ليجيه»، هو كتابه الأول.

الكتاب : المسمّى سان دون بيرس (اليكسيس ليجيه)

تأليف: رونو ميلتز

الناشر: فلاماريون باريس ـ 2008

الصفحات: 846 صفحة

القطع: المتوسط

Alexis Léger dit Saint-John Perse

Renaud Meltz

Flammarion - Paris- 2008

846 P.