حرصت صحيفة «ديلي يوميوري» اليابانية على إجراء هذه المقابلة مع الروائي الياباني رايو موراكامي لدى صدور الترجمة الإنجليزية لروايته «تجربة أداء» عن دار بلومزبري اللندنية التي يتوقع أن تكون مقدمة لدفع متتابع من الترجمات لأعماله الجديدة.
حيث بادر إلى إلقاء الضوء على اهتمامه الكبير بالنزعة الفردية في اليابان التي يدعو إلى تبني فلسفتها، وشدد على أن ثقافة الشباب بحاجة إلى المزيد من الاهتمام في المجتمع الياباني، وهو الأمر الذي ركز عليه في عدد من رواياته ومقالاته، وحذر من أن المجتمع الياباني لا ينفق ما يكفي على تعليم أبنائه وأن شريحة منهم تنحدر مسرعة إلى وهدة الجريمة، وأعلن رفضه لمفهوم «تعليم القلب» الذي تتبناه رسمياً المؤسسة التعليمية اليابانية. وفي ما يلي نص الحوار.
لقد كتبت العديد من الروايات ومن بينها روايتك «تجربة أداء» والكثير من المقالات حول الشباب، حيث لم تتردد في القول إن شباب اليوم ليس لديهم ما يقدم لهم التشجيع. اعتقد أن معظم الشباب يحسون بالضجر حيال روتينهم اليومي، والذين ولدوا منهم بعد انهيار اقتصاد الفقاعة لا يمكنهم التمتع بمزايا نجاح اليابان الذي تحقق في الماضي. وعلى الرغم من ذلك فهم مضطرون للعيش في كل اقتصاد ما بعد الفقاعة زمناً طويلاً وهو أمر يصعب احتماله.
هكذا فإن بعضاً منهم يتحولون إلى الجريمة؟
نعم، الكثير من الناس يشعرون بالحيرة حيال فتية يحملون الخناجر وجرائم قتل تتضمن رسائل نصية عبر الهاتف وإيقاع حالات الانتحار باستخدام سم تم شراؤه عبر الانترنت، ولكنني أتساءل لم يشعرون بالضيق البالغ على هذا النحو. إن جرائم الشباب يزداد معدلها في كل الدول المتقدمة وليس في اليابان وحدها.
هل لديك فكرة عن الكيفية التي يمكن للشباب أن يتغلبوا بها على مشكلاتهم؟
أنهم بحاجة إلى تغيير طريقتهم في التفكير قليلاً، وعلى سبيل المثال فإن لاعب الكرة الياباني هيديتوشي ناكاتا الذي شارك في فريق كرة القدم في كأس العالم ويلعب الآن في إيطاليا ليس بالحالة الاستثنائية، ولكن طريقته في التفكير مختلفة عن طريقة الآخرين.
ما هو الفارق؟
اعتقد أن من يكافحون للحصول على معلومات تفوق ما يحصل عليه الآخرون، من يحققون الانضباط لاكتساب المهارات، هؤلاء الناس يحققون أهدافهم. ونصيحتي هي أن يجد الشاب شيئاً يرغب في القيام به. والناس بحاجة إلى تغيير طريقتهم في التفكير بمن في ذلك من هم في مقتبل العمر، لأن الأيام التي كان يجري فيها تشجيعك على الانضمام إلى مصرف كبير أو مؤسسة عملاقة والترقي عن طريق مزاحمة رئيسك قد انتهت.
ولذا فإن عليك أن تدرك أن أفضل طريقة للنجاح هي أن تمتلك ناصية ما تحبه، حتى إذا كنت تعمل في شركة صغيرة أو في شركة خاصة بك. ولكن على الرغم من أنني أقول »اعثر على ما تحبه« فإن معظم الصغار لن يهتموا بما أقوله، وأنا أدرك أن من الصعب علينا نقل مثل هذه الرسالة إليهم. غير أنه إذا عثر بعضهم على ما يحبونه وبالتالي نجحوا في حياتهم، فإنهم يمكنهم نقل هذه الرسالة إلى أبنائهم. وآمل أن طريقة الحياة هذه ستضرب جذورها تدريجياً على امتداد عدة أجيال.
عندئذ فإننا سنواجه مجتمعاً أكثر تنافسية في المستقبل؟
لا، لا أعتقد ذلك، فالكثير ينظرون إلى المجتمع التنافسي باعتباره مجتمعاً يهزم الآخرين. ولكنني أعتقد أن مجتمعاً تنافسياً حقيقياً هو مجتمع يغذي مهارة الإنسان وعلاقاته الإنسانية. وهكذا فإننا لا وقت لدينا لفكرة هزيمة الآخرين. وفي المجتمع، وحتى عندما نتعرض للهزيمة في غمار منافسة داخل شركة ما، فإن بمقدورك الانتقال في يسر إلى شركة أخرى لأنك تكون قد حققت بالفعل مهارات مفيدة.
قام وزير التعليم الياباني مؤخراً بتشجيع «تعليم القلب» الذي تتم في إطاره عملية التحفيز على تعليم الصغار أهمية الحياة. هل تعتقد أن هذا التقييم مفيد؟
لا، أعتقد أنه محض خداع، لأنك إذا أردت تعليم الصغار أهمية الحياة، بأي درجة من المعنى الحقيقي، فإنك بحاجة إلى الكثير من الوقت والجهد، وبالتالي فإنني لا أراهن كثيراً على مثل هذه الطروحات الزائفة والسخيفة. واليوم نجد أن اليابان لا تنفق ما يكفي على تعليم أبنائها وهذا أمر غريب، وإذا أرادت الحكومة حقاً أن تمنع ضلال الشباب أو أن تعالج مشكلة المخدرات فإن عليها أن تنفق المزيد من المال.
في غضون ذلك فإن رؤية الآباء لا تتغير.
هل تعتقد هذا؟ إنني أعتقد أنها تتغير قليلاً فقليلاً. وفي المستقبل القريب، سيحين الوقت الذي نضحك فيه على قصص تدور حول إرسال أطفال في الثالثة من أعمارهم إلى مدارس عتيقة.
يقول أحد شخوص روايتك.. الخروج في بلد مفعم بالأمل إن »البلاد (اليابان) قد ماتت بالفعل». هل هذا رأيك في اليابان؟ صل تصحيح اليابان «بلداً ميؤوساً منه» في القرن المقبل؟
لا، لست أعتقد ذلك. وبالأحرى فإنني لا أحب الأيام الأولى من الثمانينات، عندما كانت لدى اليابان مبالغ طائلة، وكانت هناك كل هذه المقولات عن «اليابان رقم 1» وفي تلك الأيام لم يكن أي منا يحس بعدم الارتياح وبالمقارنة بتلك الأيام فإنني أحس بأن المجتمع الياباني قد أصبح مجتمعاً أفضل كثيراً لماذا؟ لأن الناس يحسون بالقلق حيال الوضع الراهن والمستقبل ويحاولون التصدي لما هو قائم، وهذا أمر مهم.
عديدة هي المرات التي أكدت فيها أن من المهم أن يتبنى اليابانيون فلسفة الفردية، ولكنك تشير أيضاً إلى أن معظمهم لن يتمكن من ذلك. وفي الوقت تشير إلى اللاعب هيديتو شي ناكاتا كنموذج لهذه النوعية الجديدة من اليابانيين. لماذا تهتم به؟.
لأن ناكاتا لا يتبع بصورة عمياء الأوامر الصادرة إليه من مدير الفريق، وانما هو يرى فرصة، ويقرر لنفسه متى يمرر الكرة، ويقرأ كل لحظة من المباراة وأفضل اللاعبين في أوروبا يفعلون ذلك ويلعبون على هذا النحو، ولعبة ناكاتا تعتمد على هذا الحكم الفردي، أما معظم اللاعبين اليابانيين فلا يمكنهم اللعب من دون تعليمات مباشرة من مديري فريقهم. وبهذه الطريقة فإن ناكاتا يتمرد على المجتمع الياباني الذي ليس لديه أي مفهوم عن الفردية، وبالتالي فإنه يرفضها، ولهذا فقد غادر ناكاتا اليابان ليلعب في إيطاليا.
لماذا تعتقد أن الفردية لم تضرب جذورها بين أبناء الشعب الياباني وحرصت على تصوير ذلك في أعمالك الإبداعية إلى جوار مقالاتك؟
لأنها لم تكن ضرورية. فمنذ عهد إصلاح ميجي شب اليابانيون عن الطوق في كل حماية جماعة، روابط الأحياء، الشركات والحكومة. وعلاوة على ذلك فإن المجتمع الياباني يربط الناس باستخدام القيود والضوابط ويجبرهم على الامتثال. وهكذا فإن الناس لا خيار أمامهم إلا أن يذعنوا لتلك القيم وأن يحصلوا على حماية هذه الجماعة.
وهذا هو جوهر نظام الأقدمية. وفي ظل قيم الجماعة هذه فإن معظم الناس لا يمكنهم إدراك مفهوم الفردية، وحتى إذا استخدموا كلمة «فردية» فإنها نحمي تحمل «معارضة الجموع». ولكن المعنى الحقيقي للفردية مختلف، فهي تعني أن كل شخص يبحث كيف يمكنه أن يساهم في إضافة شيء إلى الجموع أو الحفاظ على العلاقة في غمارها. وبتعبير آخر فإنك لا ينبغي أن تتبع الأوامر الصادرة من أعلى بصورة عمياء، ولكنك ينبغي أن تعارضها إذا لم تستطع تقبلها في ضوء حكمك.
قلت في أكثر من موضع من مقالاتك إن الفردية هي الخطوة التالية بالنسبة لليابان التي فرغت بالفعل من التحديث. نعم، فأنا أعتقد أن تحديث اليابان ـ أي بناء البنية التحتية في ظل إرشاد الحكومة ـ قد انتهى منذ ما يتراوح بين عشرين إلى ثلاثين عاماً مضت. وهكذا فإن هدفنا المقبل ينبغي أن نصبح أكثر فردية.
يقول البعض إن اليابان تواجه عصر «الانفتاح الثاني»، فما هو رأيك؟
أعتقد أننا نواجه منعطفاً، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، ولكن على المستوى الثقافي كذلك. والبعض يشعر بالقلق من أن اليابان سوف تخسر بعض جوانبها الجيدة، إذا قبلت بعولمة النظام الاقتصادي والمالي. لكنني لا أعتقد ذلك. وعلى سبيل المثال، فإن أحد هذه الجوانب الجيدة ـ وهو نظام التشغيل مدى الحياة ـ ليس إلا وهماً. مطبقاً لبعض التقارير والاحصاءات نجد أن ثلاثين في المئة فقط من العاملين في اليابان يبقون في الشركة ذاتها مدة تصل إلى 20 عاماً، ومثل هذا الوهم سيتبدد من خلال عولمة الاقتصاد. ولكنني لا أعتقد أن الشعب الياباني سيفقد جوانبه الجيدة بسبب هذه العولمة.
البعض يلقي اللوم على عيوب في ديمقراطية ما بعد الحرب في اليابان ويعتبرها سبب مشكلات اليوم. وهم يعتقدون أن انجازات السياسيين في الماضي تقدم مفاتيح السبيل المفضي إلى الابتعاد عن صعوباتنا الراهنة. ما الذي تعتقدته حيال هذا التيار الفكري؟
حتى بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الإحساس الياباني بالقيمة لم يتغير قط، لأنه منذ عصر الميجي احتفظ مجتمعنا بهيكل شبيه بهيكل زمن الحرب. ولذا فلست أعتقد أن مشكلات اليوم يمكن أن تنقل إلى مجتمع ما بعد الحرب فحسب. وعلاوة على ذلك، فإنني أعتقد أن هذا التيار ـ التعلم من الماضي ـ هو حنين مفعم بالتشاؤم. إنه لا يعدو أن يكون مفارقة تاريخية، لأنه يتعين علينا أن نعالج أموراً لم نجربها من قبل قط.
المؤلف في سطور
ولد الروائي الياباني رايو موراكامي في 19 فبراير 1952 في مدينة سايبو بمقاطعة نجازاكي التي كانت مقراً لقاعدة بحرية أميركية، فتأثر بعمق بالثقافة الغربية، ودرس في جامعة موساشينو التي كان لايزال طالباً عندما قدم رائعته الشهيرة «زرقه شفافية تقريباً» في 1976 لتنال جائزة جونزو للمواهب الجديدة وجائزة أكوتاجاوا.
وتوالت رواياته ومن أشهرها «أطفال الخزائن» و«توباز» و«كايوكو» و«فيروس هايوجا» و«في حساء المرنطة» و«تجربة أداء». وقام بإخراج العديد من الأفلام المقتبسة من رواياته بالإضافة إلى تقديم برنامج تلفزيوني والعزف مع فرقته الموسيقية الخاصة واختارته مجلة «تايم» في عام 1997 باعتباره واحداً من إحدى عشرة شخصية يتوقع أن تحدث ثورة في المجتمع الياباني.
منى مدكور
