لا تتردد دار بلومزبري اللندنية للنشر في غمار تقديمها رواية «تجربة أداء» لقراء الانجليزيةفي الذهاب إلى اقتراح رؤية بسيطة وسلسة، أقرب إلى خارطة طريق يتعين على القارئ الانطلاق عبرها للاستمتاع بهذه الرواية للمبدع الانجليزي رايو موراكامي، الذي يخطئ البعض فيخلط بينه وبين مواطنه الروائي هاروكي موراكامي، على الرغم من الفارق الهائل بني الأدبين، والذي يدور في جوهره حول الطابع الشعبوي لأعمال هاروكي والطابع النخبوي لإنجاز رايو.

حسب رؤية بلومزبري فإن رواية «تجربة أداء» تقدم لنا البطل أيوياما، مخرج الأفلام الوثائقية الذي يتخذ من طوكيو مقراً له، ونحن نعلم أنه منذ الموت المأساوي، قبل سبع سنوات، الذي تعرضت له زوجته رايوكو، فإنه أوصد بابه في وجه أي علاقات عاطفية جدية، ولكن الآن ها هو ابنه المراهق شيجي وصديقه المقرب يوشيكاوا يخلصان إلى أنه لا بد له من الزواج مجدداً بعد أن بلغ الثانية والأربعين من العمر.

يخرج يوشيكاوا بفكرة يراها هي الأنسب لتحقيق هذا الهدف المنشود، وهذه الفكرة قوامها إطلاق عروض أداء لاختيار بطلة فيلم مزعوم سينتجه مع صديقه الذي يبدو متردداً حيال الفكرة بكاملها، ولكن البطلة العتيدة لن تنال بطولة الفيلم، وإنما ستغدو زوجة أيوياما المقبلة. في نهاية المطاف، يوافق أيوياما على الفكرة، ولكن من بين ألف ممثلة يتقدمن لاقتناص الدور المزعوم لا يتعلق قلب أيوباما إلا بالممثلة ياما ساكي أسامي، وهي باليريا شابة، جميلة، رقيقة وموهوبة ذات ماض عاصف.

ولكن هناك ما هو أكثر من الافتتان الأعمى من جانب أيويا ما بالجميلة ياماساكي، وبحلول الوقت الذي سيكتشف فيه الحقيقة المرعبة، ربما يكون الأوان قد فات. هذا هو ـ باختصار شديد ـ عظم رواية رايو موراكامي، ولكن هل الأمور على هذا القدر من البساطة حقا؟

من المؤكد أن الأشياء لا تتداعى على هذا النحو في عالم رايو موراكامي.

ربما كان أول ـ ما يتعين علينا أن نلاحظه هو أنه في رواية الاثارة ـ النفسية المحتدمه هذه أن كل شيء ينطلق مسرعاً في قصة أيوياما، فكل ما رأينا في طرح محرري بلومزبري للرواية لا يعدو أن يكون مجرد مقدمة، ملتبسة أخلاقياً ربما، ولكنها بالتأكيد لا يمكن إلا أن تكون مثيرة للاهتمام إلى أبعد الحدود.

بهذا المعنى فإن من الطبيعي أن نتوقع تطوير هذه المقدمة والانطلاق بها عبر آفاق الحبكة، ولكن من الغريب حقاً أن هذا لا يحدث، ربما لأن المؤلف لا يرى في ذلك شيئاً ضروريا لتحقيق أهدافه، حيث ان الجميلة ياماساكي تقفز عمليا من كومة سير الحياة الفنية لتلقى بشباكها على عواطف أيوياما منذ بداية عملية الاختيار ذاتها.

ويبدو لنا جلياً أن المتسابقات الأخريات ليس عليهن تكليف أنفسهن عناء الظهور على مسرح الأحداث، ويحسن المؤلف صنعاً بعدم اهدار وقت القارئ، أو وقت أيوياما، عليهن أكثر من ذلك. هكذا يشرع أيوياما في استقطاب فتاة أحلامه، وذلك على الرغم من التحذيرات المتوقعة من المقربين منه من أن الجميلة ياماساكي ربما كان فيها ما يوحي بأنها ليست البطلة المنشودة بالضبط. ولكن ما الذي يمكن أن يتصف به الحب إذا لم يوصف بأنه أعمى؟ وهكذا يتعلق المخرج ذو الأعوام الاثنين والأربعين بالفاتنة التي لا يتجاوز عمرها أربعة وعشرين عاماً.

غير أن الأمر لن يطول مداه قبل أن يكتشف أيوياما تاريخاً من الاساءات تعرضت له البالبرينا السابقة في طفولتها، ومع ذلك فإنه يقنع نفسه بأنها أفلحت في تجاوز هذا التاريخ لتصبح الزوجة المثالية بالنسبة له، وهكذا فإن الفنان الكبير يقع في خطأ كبير بالقدر نفسه. نلاحظ أيضاً أن الحركتين الأولى والثانية في الرواية، وهما مفهوم تجربة الأداء وتودد أيوياما إلى ياماساكي مكتوبتان بنثر شديد الضراوة والاقتصاد كأفضل ما يمكن لكاتب حداثي أن ينجزه.

نتابع يوشيكاوا وهو يطرح، عبر صفحات قلائل، مشروع تجربة أداء الفيلم بكاملها، ولكن بينما نجد أن هذا النثر شديد الاقتضاب والنحول، فإنه أبعد ما يكون عن الافتقار إلى العمق، بل ان التصاعد هنا في الأحداث يحتوي على جانب من أكثر التأملات تألقاً فيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية، وهناك بعض الملاحظات الدقيقة حول الكيفية التي أثرت بها خسارة رايوكو على أيوياما والشخصية الأكثر تعاطفاً في الرواية بكاملها، وهي شخصية الابن المراهق الذي لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.

غير أن ذلك لا يعني أن هذه الرواية تخلو من العيوب أو المشكلات الفنية، كما قد يتوقع البعض، بحكم الخبرة الكبيرة التي يتمتع بها رايوكو موراكامي منذ أطلق في صدر عمر رائعته البديعة «زرقة شفافة تقريباً». التي من المؤسف حقاً أنه لم يقدر لها قط أن تترجم إلى العربية.

العيب الأول في رواية «تجربة أداء» يكمن في شخصية ياما ساكي نفسها، حيث ان كثيراً من القراء قد يصعب عليهم أن يحملوا هذه الشخصية على محمل الجد باعتبارها شخصية، حيث انها لا تفصح لنا إلا عن وجهين، وجه الملاك، ووجه الهولة المرعبة، ونحن لا نستطيع أن نفهم حقاً كيف أدت اساءة المعاملة التي تعرضت لها خلال طفولتها إلى تصرفاتها الوحشية حيال أيوياما. وربما يمكن القول في هذا الصدد إن الرواية تصبح عند هذا المنعطف من منعطفاتها رمزاً للخوف الذكوري من الأنثى على الصعيد العاطفي والانفعالي.

وغني عن القول إن نزعة الانوثة لم تتغلغل قط في المجتمع الياباني بالطريقة نفسها التي شهدناها في الغرب، وعلى الرغم من أنه يتعين علينا قبول رواية «تجربة أداء» باعتبارها ابنة المكان الثقافي الذي قدمها لنا إلا أنه يصعب تصور قيام كتاب في العديد من لغات وثقافات العالم بتقديم شخصية أنثوية بارزة مثل ياماساكي.

بالمقابل لابد لنا من التسليم بأن ميل الرواية إلى الاندفاع هادرة نحو خط النهاية ليس بالأمر السيئ على الاطلاق، لأن نثر رايو موراكامي في الحركة الثالثة للرواية يحلق إلى أرفع ذراه حقاً، وإلى أقوى أداء يقدمه لنا، في إطار ذروة مروعة تبعث على الشعور بالصدمة بكل المعايير.

الذين قرأوا، بحب وتعاطف، روايتي موراكامي «زرقة شفافة تقريبا» و«اختراق»، يعرفون بالطبع، أن لهذا المبدع نقاط ضعفه، وله أيضاً مواضع قوته، لكن الذاكرة تأبى أن تنسى له في هاتين الروايتين وأيضاً في «تجربة أداء» القدرة المذهلة التي يتمتع بها نثره على تقديم رثاء مفعم بالضراوة والرقة في آن للجوانب الانسانية التي تتهادى متداعية في مشاهد العنف والصدام.

الجمع والحديقة والجسر

«مضى جمع يلتئم عقده تدريجياً في الحديقة وعلى الجسر، ومكان يتألف في الغالب من أزواج وجماعات. ومضى بعض الأزواج يحتسون القهوة من أقداح العلب المعدة للاحتفاظ بالحرارة ويشتركون في التهام الشطائر، ووقف آخرون كتفاً لكتف يضعون إلى الموسيقى المنبعثة من أجهزة الودكمان ذاتها. ومضت إحدى الجماعات تلوح لكل قارب ينطلق عابراً. وقد خمنت أنهم جميعاً قد قرأوا عن هذا المكان في المجلة التي كنت أنا وصديقتي قد قرأناها.. ودنا رجال الشرطة منى، ولم يكن أحد غيري يعرف بأمر الجثث القابعة في المقهى القريب، لذا لم يكن خطر إلقاء القبض عليّ يهمن حولي».

مقتطف من رواية «تجربة أداء»

الكتاب: تجربة أداء

تأليف: رايو موراكامي

الناشر: بلومزبري، لندن 2009

الصفحات: 208 صفحة

القطع: المتوسط

Audition

Ryu Murakami

Blcomsbury, Londan, 2009

208 P.