يتناول عاطف الغمري في كتابه «الإصلاح السياسي من أين يبدأ ؟».. ظاهرة «الردة عن الوطنية».. ففي الماضي، أي تمرد أو ثورة كانت تقوم على نظام لإسقاطه، وليست ثورة على الوطن لهدمه وتدميره.

يتناول الكاتب حملات الترويج لانتهاء عصر الدولة الوطنية وطمس الهوية الوطنية، فيقول: «لا تزال هناك دول تحافظ على أركان تتصور أنها أعمدة تقوى بنيانها، بينما هي أنقاض جاهزة لتهوي أمام أي لفحة رياح تاريخية، منها مثلاً شمولية النظام، واحتكار حزب واحد للحكم أبدًا، لأن هذه الأركان هي أطلال الأنظمة الشمولية التي سقطت تباعًا في أوروبا الشرقية، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، وحدوث تحولات دولية جذرية، أطلقت نظامًا دوليًا جديدًا ومختلفًا له مواصفات وجود، ومن ناحية ثانية ـ هناك دول تحكم بمفهوم شرعية الأمر الواقع وليس الاختيار الشعبي الحر ـ وهو وضع لا يمكن أن يدوم إلا بالقوة والقهر، والحكم في هذه الحالة يجد نفسه منجذبًا إلى توفير أمنه بعيدًا عن شعبه.

إن العالم تغير وأضيفت عليه تغييرات عززت من هذه التوجهات.. أخطرها التحول في السياسة الخارجية الأميركية التي ربطت ما يجرى داخل دول أخرى بأمنها القومي، ومن ثم فإن المفهوم التقليدي لسيادة الدولة لم يعد عائقًا أمام تجاوزه، إذا لم يكن مباشرة فعلى الأقل عن طريق وسائل وآليات مرتبطة بها من الداخل، وكذلك عن طريق الضغوط من خلال المعونات والإجراءات المتبعة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأيضاً قرارات الأمم المتحدة، والضغوط الدبلوماسية المباشرة على الحكومات.

ويتناول الغمري قضية الديمقراطية في مصر، حتى يصل إلى فبراير 2005 حيث تعديل المادة 76 من الدستور، ويقول: هذه مجرد بداية، لابد أن يكتمل شوطها، رغم أي معوقات ظاهرة والمؤكد أن مصر اليوم ليست هي مصر قبل فبراير 2005 «ما نحن بصدده ليس حدود المادة 76، فقد تجاوزها الحال، فنحن اليوم نتعامل مع إرادة شعب، وهي الإرادة التي أزاحت الحجر عن الجدار (حجر المادة 76)، وهي ذاتها التي ستزيح بقية الأحجار، ليكتمل للموطن الانتقال من الاستثناء إلى الوضع الطبيعي».

ويرى المؤلف أن تجربة انتخابات الرئاسة التي جرت في مصر هذه المرة في 2005، جرت في ظروف لا يقتصر فيها الاختلاف مع ما كان حول التحول من الاستثناء إلى الاختيار بالتصويت، بل يتعدى الاختلاف هذه النقطة على جعل الظروف التي تفرض على المرشحين لغة تخاطب مع الناخبين مغايرة تمامًا للغة التي ألفوا سماعها مدة خمسين عامًا مضت.

وبالتالي لم يعد الخطاب السياسي للمرشحين مقنعًا إذا لم يتضمن منهاجًا كاملاً وشاملاً وتفصيليًا يتصدى مباشرة للهموم والمشاكل والقضايا التي يعاني منها المواطن اتصالاً بمعيشته وبأمنه القومي سواء بسواء ويملك استراتيجية واعية لإقامة خط حماية للمواطنين وللوطن في عصر زحفت فيه السياسة الخارجية للقوى الأجنبية إلى المنطقة، واعتبرت أن ما يجري في الداخل لم يعد شأنًا داخليًا حسب ما كان مستقرًا من قبل.

أما عن إنقاذ النظام الحزبي في مصر، فيقول المؤلف: «إن اهتمام الحزب الوطني بتقوية نفسه باعتباره حزب الأغلبية لن يكسبه قوة فعلية وفاعلة، إذا لم يقترن ذلك بهدف موازٍ يتمثل في تقوية التعددية الحزبية». ويتحدث الغمري عن الأمن القومي والمصالح الوطنية حيث يجري فيه تناطح ومنازلة بين ديناميكية استراتيجيات أمن قوى خارجية، اعتبرت المنطقة العربية أرض مصالح استراتيجية لها أو تربة تنبت مصادر تهديد وخطر لها، بينما المصالح الوطنية للعرب تتلاطمها استراتيجيات الآخرين، وفوق أرض العرب نفسها ومن هنا أصبح من الضروري إقامة استراتيجية أمن قومي عربي.

ويرى المؤلف أن مشكلة العرب أنهم فاقدو القدرة الفعلية، والإرادة السياسية، لامتلاك فكر واستراتيجية تهديهم إلى مرحلة الاتفاق فيما بينهم على صياغة استراتيجية أمن قومي، تحميهم هم أنفسهم، وتصون سلامة وكرامة شعوبهم، ومستقبلهم. ويضع المؤلف روشتة للعمل العربي الجاد لأن الخطر الداهم يستهدف الجميع فالكل عرب... ونصح بضرورة تجهيز القادة العرب بمكونات استراتيجية أمن قومي، وحتى يمكن درء أي حساسيات وشكوك، فليس هناك ما يمنع من الفصل بين جانبي الأمن القومي، والأمن الوطني لكل دولة عربية وهو أمر من صميم اختصاصها، لا يتدخل فيه الآخرون.

قمة خبراء

يقترح عاطف الغمري إلى ضرورة البدء بقمة خبراء أو اجتماع خبراء لبحث المستقبل العربي لا تتعجل نتائجه بل يأخذ وقته، تتفرع عنه لجان متخصصة، تكلف بجميع المعلومات، وإعداد البيانات، والتحليل وتحديد الأخطار، ما ظهر منها وما هو قادم محتمل، أو حتى مستبعد في إطار الظروف القائمة، وفرز نقاط القوة والضعف لدى العرب، ودراسة مواطن القوة والضعف في استراتيجيات الأطراف الأخرى، وبلورة رؤية استراتيجية للعمل، تحشد وراءها موارد ومصادر القدرة المطلوبة، وتحديد خطة عمل ووسائل وأدوات التنفيذ، وكل هذا يضع في اعتباره التحولات في مفهوم الأمن القومي، وأيضاً الأمن العالمي.

المؤلف في سطور

عاطف الغمري كاتب مصري يعمل في منصب نائب رئيس تحرير جريدة الأهرام القاهرية، وأستاذ في كلية الإعلام جامعة القاهرة، عين مديرًا لمكتب الأهرام في لندن العام 1993، ورئيس لمكاتب الأهرام في الولايات المتحدة من 1995-2000، وعضو بالمجلس المصري للشؤون الخارجية، وعضو مجلس إدارة مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس، وعضو بالمجلس الأعلى للثقافة، ومن إصداراته : كتاب «أزمة الديمقراطية»، «الإصلاح السياسي».

الكتاب: الإصلاح السياسي من أين يبدأ؟

تأليف : عاطف الغمري

الناشر: شركة نهضة مصر القاهرة 2008

الصفحات: 309 صفحة

القطع: الوسط